الإثنين20171211

آخر تحديثالإثنين, 11 كانون1 2017 12am

jettbuslogo 2222

cccccIROOO copy copy

انتفاضة صغيرة أحدثت فرقا كبيرا

Issa Suaibi

لم تكن انتفاضة القدس، ضد محاولة الاحتلال الغاشم وضع يده على المسجد الأقصى، مجرد حدث عابر في حياة المدينة المقدسة خاصة، وحياة الفلسطينيين عامة، انتهى بانتهاء أسبوعين مجيدين، أزالت فيهما إسرائيل بواباتها الإلكترونية عن مداخل الأقصى، ورضخت لإرادة شعبية عارمة، عرفت كيف تدير معركتها بشجاعة وحكمة، فصنعت بذلك نصراً سياسياً عز نظيره، وأحدثت فرقاً بأقل الخسائر، وفي أقصر وقت ممكن، في مواجهة آلة قتل لا تعرف الرحمة.
ذلك أن دروس الماضي وعبره الثمينة، أكدت لمن يود أن يدرك، أن إسقاط الملاكم الإسرائيلي من الوزن الثقيل على خشبة المصارعة، لا يتم بالضربة الفنية القاضية، أو بالتصفيق على المدرجات، وإنما بتسجيل عدد لا يحصى من النقاط المتفرقة، تصيبه بالدوار أولاً، وتفقده التوازن ولو مؤقتاً، إلى أن يتعب تدريجياً، يكف عن النزال وقد يقع أرضاً، في نهاية مطاف طويل وقاسٍ، تماماً على نحو ما جرى في انتفاضة الحجارة، التي تكررت إحدى تجلياتها السلمية في انتفاضة الصلاة على الارصفة.
في خضم تلك الانتفاضة التي وقعت في مثل هذه الأيام قبل ثلاثين سنة، ودامت لعدة سنوات حافلة بالمواجهات السلمية، لم تنسحب القوة القائمة بالاحتلال من شبر واحد، ولم تتخل عن لاءاتها الشهيرة، إلا أنها استخلصت العبرة المفيدة بعد لأي شديد، وهي أنها لا تستطيع السيطرة على حياة شعب آخر قرر انتزاع حقوقه بالطريقة الملائمة، خارج ملعب القوة العسكرية المجردة، فكان ما كان بعد قليل من الزمن، حين غيرت حكومة إسحق رابين وجهة التصادم بالبندقية، لصالح التفاوض مع الممثل الشرعي الوحيد لأول مرة.
على هذه الخلفية، يمكن النظر إلى الحراك الشعبي الذي جرى على أبواب القدس، وفي مداخل المسجد الأقصى، على أنه نسخة مصغرة من انتفاضة الحجارة، قوضت مزاعم إسرائيل حول وحدة القدس وحول أبديتها كعاصمة للدولة العبرية، وأوقفت سعيها المحموم لتقسيم الحرم القدسي زمانياً ومكانياً، وأحيت الروح الكفاحية لدى أبناء المدينة المركزية في الوجدان العربي والإسلامي، بل وجعلت منهم رأس حربة في المعركة الطويلة الدائرة على المصائر الكبيرة، وفي مقدمتها الحق بالحرية والاستقلال .
في الإطار الأوسع، أحسب أن انتفاضة القدس قد خلقت أمراً أكثر أهمية مما يتراءى للناظر من قلب الحدث المفعم بالتفاصيل، ونعني به رفع الروح المعنوية بعد هبوط مديد، واسترداد الثقة بالنفس التي أصابها الكلال، وإحداث تعديل طفيف في ميزان القوة المختلة على نحو فادح، وتحسين المناخ السياسي الفلسطيني بعد طول تصحر، كانت خلاله التطورات اليومية تجري على غير ما تشتهي السفينة المبحرة في مياه ضحلة، وسط أنواء عاتية، وفي لجة ليل عربي شديد القتامة.
وبإعمال العقل السياسي أكثر، وقراءة المتغيرات الأولية من غير تطير، ومقاربة التداعيات المترتبة على هذه الانتفاضة الجزئية الصغيرة بتفاؤل، فإنه يمكن الاستطراد في القول بحذر؛ أن المقاومة بالصلاة على أرصفة بيت المقدس، وبالصلاة وحدها، دون انجرار إلى المربع الذي تتقن فيه إسرائيل لعبة التفوق غير الأخلاقي، قد أسهم في تغيير المسار المتهافت بدرجة طيبة، سواء على المستوى الذاتي الفلسطيني أولاً، أو على صعيد الاشتباك السياسي مع إسرائيل ثانياً.
ففي أعقاب هذه الملحمة الصغرى، التي جرت وقائعها أمام عدسات المراسلين أولاً بأول، استعادت المنظمة والسلطة الفلسطينية اعتبارها كمرجعية وطنية، ليس في نظر الغالبية الغالبة من شعبها، وإنما أيضاً من جانب العالم العربي، الذي كان قد توقف عن الإصغاء لأوجاعها، إن لم نقل إنه كف عن الاهتمام بمصاعبها الجمة، واستدار عنها لصالح همومه المحلية الملحة، وليس أدل على ذلك من عودة الدفء إلى مجرى العلاقات الفلسطينية العربية بصورة ملموسة.
وعليه، فليس من المبالغة القول؛ إن انتفاضة المقدسيين المدهشة حقاً، قد حققت أهدافاً أبعد مدى مما كان مرجواً منها، وأنجزت في غضون 14 يوماً أكثر مما أنجزته الفعاليات الشعبية المتفرقة، والمساعي الدبلوماسية الخائبة، وفاءت بثمار معنوية مهمة، وأخرى سياسية أكثر أهمية، أحسب أن في المقدمة منها هذا التحول الإيجابي في رؤية الرأي العام والنخب السياسية العربية، للقضية التي بدت في اعتقاد الكثيرين أنها باتت قضية ميئوسا منها، وأنه لا حول إزاءها ولا قوة.

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
e-max.it: your social media marketing partner

أضف تعليق

كود امني
تحديث