عين الأردن

  6d34dd933689474347d79efd7578d14d

 


 

الإثنين20181217

آخر تحديثالإثنين, 17 كانون1 2018 8pm

jettbuslogo 2222

A9 728x90 En

 

 

ابو ترابة

55 565

في بلادنا ميل لتأنيث أسماء المدن والقرى وتذكير أسماء الجبال والأنهار والوديان. فالمدينة والقرية أماكن نأوي لها فتمدنا بالدفء والرعاية والسكينة أما الجبال والأودية فتقف كمنارات أو حواجز وعقبات تواجه كل من يحاول إقلاق راحة السكان أو الاعتداء عليهم فيحتمون بها ويوظفون طبيعتها و خصائصها وتضاريسها في الدفاع عن أنفسهم وموطنهم ودحر من يعتدي عليهم.
الشعراء والمؤرخون وكتاب القصص والروايات أدركوا هذه المعاني ووظفوها في أشعارهم وسردياتهم حيث خاطب سعيد عقل عمان كامرأة قال إنه سكن عينيها ولم يبتعد حيدر محمود في الصورة الشعرية عما ذهب إليه سعيد عقل حيث تخيلها وهي ترخي جدائلها فوق الكتفين ليأتي المجد ويقبلها بين العينين.
الصور التي يراها الشعراء والمؤرخون للجبال تختلف كثيرا عن صور المدن فجبل طارق وصنين وقاسيون والشيخ وشيحان ورم تحمل دلالات القوة والمجد والعلياء والجبال لا تهزها الريح كما يقولون أو أنها رمز للفخر والزهو الوطني كما فعل سعيد عقل "انا حسبي أنني من جبل هو بين الله والارض كلام".
على غير ما اعتاد عليه الأردنيون في تسمية القرى والبلدات والمدن هناك قرية وادعة تجثم على الكتف الجنوبي لوادي الموجب وتطل على بحيرة السد اسمها "ابو ترابة" يسكنها بضع مئات من أبناء عشيرة العمرو وبعض العائلات التي انتقلت اليها من القرى والبلدات الواقعة ضمن لواء القصر.
مع أنني أحد أشد المعجبين بسحر وادي الموجب الذي يذكرني بالوادي الكبيرGrand Canyon في ولاية ايرزونا الاميركية وأسلك الطريق المؤدي إلى الكرك عبر الموجب كلما سنحت لي الفرصة إلا أنني لم أنعطف نحو قرية أبو ترابة التي لا تبعد عن الطريق الرئيسي كثيرا لأتعرف على جمال موقعها وإطلالتها التي تشعرك بأنك على إحدى قمم التبت أو في أعلى جبال جواتيمالا المطلة على بحيرة اتيتلان إحدى أجمل المواقع السياحية الطبيعية في أميركا الوسطى.
منذ أيام قليلة تلقيت دعوة كريمة لزيارة قرية أبو ترابة والمشاركة في حفل إشهار رواية للأديب والكاتب الساخر محمد طملية بمناسبة مرور عشرة أعوام على رحيله. لم أتردد بالرغم من رداءة الطقس والمخاوف التي ارتبطت بحالات عدم الاستقرار المناخي وشهية الأودية الجنوبية واستعدادها لابتلاع مياه الصحراء وكل ما قد يأتي في طريقها. لقد أعجبت كثيرا بفكرة توقيع الرواية في القرية فقد اعتدنا على أن نرحل بالأدب والفكر إلى الفنادق الفارهة والقاعات المكيفة وسط جمهور لم يتغيب أي من أعضائه عن أي احتفال لسفارة أو استقبال أو محاضرة فمعظم الوجوه التي تراها في المناسبات الثقافية لم تتبدل أو تتغيب إلا بالموت أو السفر.
عند الساعة الثانية ظهرا حضر أصدقاء الكاتب وأهالي القرية ومحافظ الكرك ومدراء الثقافة وعدد من المهتمين ورئيس البلدية التي ولد فيها الكاتب وعاش سنواته الأولى مع أسرته بين أهلها. لم يجد محمد ولا والده الذي كان معلما في القرية منذ خمسينيات القرن الماضي فرقا بين قرية عنابة الفلسطينية وأبو ترابة الكركية فعشيرة العمرو في الكرك لا تختلف في نخوتها وعروبتها ووفائها عن أبناء عمومتهم في الخليل الأمر الذي شجعه على اتخاذها موطنا لأسرته.
المناسبة كانت مختلفة بموضوعها وجمهورها ومكانها فقد كانت حدثا جميلا غنيا بالرسائل والمعاني والدلالات. أول هذه المعاني أن في ثقافتنا الأردنية مساحة واسعة فسيحة للاحتفاء بالكتاب حتى بعد رحيلهم بعقود والثانية عودة الفكر والأدب والإبداع إلى قرانا وبلداتنا بعد أن استحوذت المدن على كل ما فينا فها هي قرية أبو ترابة تستعيد ذكرى محمد طملية كما تستعيد الطفيلة تيسير السبول ومادبا غالب هلسه وحمود يعقوب العودات والعالوك حبيب الزيودي.
وما أسعدني فعلا أن أرى جمهورا متنوعا في الاهتمام والتعليم والنوع والعمر والجغرافيا. في المناسبة التي لم يغب عنها الحاكم الإداري رسالة مفادها أن بمقدور مجتمعنا التحول نحو الحوار والتفهم وتقبل النقد والخروج عن الحياد العام.

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
e-max.it: your social media marketing partner

أضف تعليق

كود امني
تحديث