رؤية إسميك جزء من طرح أوسع لمستقبل سوريا
عين الاردن…في المسألة السورية ومآلاتها، نادرًا ما تجد صوتًا عقلانيًا وسط الضجيج.
وكما يقول رائد الاعمال المفكر العربي حسن إسميك: من بين عشرات المنشورات عن سوريا أو يكتبها السوريون، قد تجد منشورًا واحدًا عقلانيًا، أو ربما لا تجد أيًّا منها.
هذه الكلمات تلخص واقعًا مؤلمًا؛ فالسؤال لم يعد فقط عن سقوط النظام، بل عن إرثه الثقيل الذي لا يزال يعوق بناء سوريا الجديدة، إذ أنه بين الطموحات والتحديات، تبدو المرحلة الانتقالية امتحانًا صعبًا، حيث لا يكفي ترك الزمن ليعالج الجراح، بل يتحتم على القائمين على إدارة هذه المرحلة اتخاذ قرارات مصيرية تحدد مستقبل البلاد.
إنها لحظة الحقيقة كما يقول إسميك، فإما أن تقود سوريا نحو التعافي، أو تتركها تنزلق إلى دوامة جديدة من الصراع والانقسام ويشير بوضوح إلى المشكلة فيقول إن التعويل على وعي الشعب في هذه المرحلة ترف لا تمتلكه سوريا.”
وهنا تكمن الحقيقة الصعبة: لا يمكن ترك الزمن وحده ليعالج جراح الماضي، فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق من يديرون المرحلة الانتقالية، فهم أصحاب القرار في تحديد ما إذا كانت سوريا ستتعافى أم تنزلق إلى صراع جديد.
وعودة إلى أس الصراع منذ أكثر من 13 عام، حيث دفع السوريون ثمن حرب لم يختاروها، ورغم أن النظام فقد السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد ومن ثم غادرها في جنح الليل، فإن “الطائفية التي زرعها في العقول” لا تزال تؤجج الانقسامات وتغذي الشكوك، وهذا هو جوهر ما يطرحه إسميك: الحل لا يأتي إلا بوعي سياسي يتجاوز الخطابات المتضاربة والممارسات المتناقضة.
الإدارة المؤقتة، التي يُفترض أن تمثل بديلاً عن الحكم السابق، مطالبة اليوم بخطوات حقيقية لاستعادة الثقة، فهي الطرف الأقوى، وقوتها تُقاس بقدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية دون الانزلاق إلى فوضى جديدة.
ويبقى أن نشير إلى ان التصريحات الدبلوماسية شيء، والتصرفات على الأرض شيء آخر، والفجوة بينهما إن لم تُردم سريعًا، فقد تشعل صراعًا لا يريده أحد، كما يحذر إسميك.
إذن المشهد السوري لا يحتمل المزيد من الأخطاء. فكل تأخير في ضبط مسار المرحلة الانتقالية يعني خسائر إضافية، وحتى الآن، لا يزال الأمل معلقًا على وجود أصوات عاقلة تدرك أن الحل لا يأتي بالسلاح، بل بقرارات شجاعة تعالج جذور الأزمة لا أعراضها.
ومن هنا، تبدو رؤية إسميك جزءًا من طرح أوسع لمستقبل سوريا، حيث تُبنى مرحلة أكثر استقرارًا، إن توفرت لها قيادة تفهم أن “تهدئة النفوس وتخفيف الاحتقان” ليس خيارًا، بل ضرورة للبقاء.
وإحدى أهم القضايا التي تستدعي التوقف عندها هي طبيعة المرحلة الانتقالية، فالتجارب الناجحة في التاريخ اعتمدت على ضبط إيقاع التغيرات السياسية والاجتماعية بحيث يكون الانتقال سلسًا ومدروسًا، لذا، فإن الإدارة المؤقتة إن أرادت النجاح، عليها أن تعزز لغة المصالحة بدل الانقسامات، وتسير بخطوات ثابتة نحو بناء سوريا جديدة.
ومع ذلك فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب شفافية في اتخاذ القرارات، وإشراك جميع الأطراف في صياغة مستقبل البلاد، حتى لا يشعر أي طرف بالتهميش.
وكما يحذر إسميك، الطائفية ليست مجرد مشكلة سياسية، بل أزمة اجتماعية تحتاج إلى حلول طويلة الأمد، قائمة على تغيير ثقافي عميق يرسّخ قيم المواطنة فوق أي انتماءات ضيقة.
وعليه فإن رؤية إسميك ليست مجرد تحليل للحالة السورية، بل دعوة لإعادة التفكير في المسار الذي تسلكه البلاد، بعيدًا عن العواطف والانفعالات، فمجرد الحديث عن سوريا جديدة لا يكفي، بل لا بد من وضع أسس حقيقية لها، عبر قرارات جريئة تتجاوز الحسابات الضيقة، وتهدف إلى مصلحة جميع السوريين دون استثناء.
وفي النهاية، لا أحد يريد حربًا جديدة، لكن الخوف من تكرارها لا يزال يخيّم على المشهد، والرسالة واضحة: لا يكفي أن نحلم بسوريا جديدة، بل علينا أن نبنيها بقرارات واعية وإجراءات تثبت أن المستقبل لن يكون مجرد تكرار للماضي، وإلا ستظل البلاد عالقة في الدوامة ذاتها التي أنهكت شعبها طويلًا.



