
عين الاردن ..
كتب المحامي عمر فالح الطويل مقالا رد فيه على مقال للمحامي سائد كراجة، كان نشره الشهر الماضي بعنوان: مصالح الطفل الفضلى، يدافع فيه كراجه عن قانون حقوق الطفل.
وفيما يلي نص المقال:
بدأ النقاش في قانون حقوق الطفل منذ عرضه في الدورة الاخيرة على طاولة مجلس النواب ، وخابت آمال الطرفين بعد تعديلات واضافات اللجنة القانونية ، وسار المؤيدون والمعارضون في حرب اتهامات متبادلة، تاركين وراء ظهورهم الطفل وما سيعرضه القانون لأفكار واهتمامات واستقطاب بعيدا عن أولياء أموره.
هذا المقال هو رد على مقال الاستاذ سائد كراجة المنشور في جريدة الغد تحت عنوان ( مصالح الطفل الفضلى)، الرجل المحترم الذي أجل ، لكن جانبه الصواب للأسف في مقاله المنشور في جريدة الغد ، وسأناقش المقال بعيدا عن شخصه الكريم.
إن حصر الاسباب الموجبة التي ينص عليها القانون بميثاق الامم المتحدة هو عيب تشريعي برأيي ، فإن أسس وفنون التشريع تتطلب أن يكون مشروع أي قانون مبني على ما يلي ؛
أ. حاجة المجتمع للقانون.
ب. دراسة آثار القانون ومواده على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والمالية في المجتمع؛
ج. التحديات التي تم وضع القانون لحلها أو مواجهتها أو حتى لدراستها؛
د. مواطن قصور التشريع الحالي بحل تلك التحديات.
أما القول بأن السبب الوحيد هو توقيع الاردن على اتفاقية حقوق الطفل فهو أمر لا يكفي وإلا لعدنا بالقول أن قانون التصديق على اتفاقية حقوق الطفل رقم 50 لعام 2006 يغني عن مشروع القانون المشوه أمامنا، ولا يجوز أن نقبل به من قريب أو من بعيد ، فالمجتمع وحمايته يتقدم على الاتفاقيات الدولية ، وإن كان الاردن قد تحفظ على البند 14 و20 و 21 من الاتفاقية فإن ذلك لا يكفي في ظل مشروع القانون الخاص المتعلق بالطفل .
إن الاسئلة المقدمة من الكاتب لا تشكل التخوف الحقيقي من القانون بل تلقي النقاش بسجال مسترسل يمكن الرد عليه وبشكل بسيط ؛
السؤال الاول حول الجهات المختصة؛ وقد اسماها المقال (الجهات المدسوسة). إن الجهات المختصة وحسب تعريف القانون هي الجمعيات والشركات الخاصة ( جمعيات و مدارس ومراكز تدريب) التي تُعنى بالطفل ، وهذه الجهات وبمجرد ترخيصها من الجهات الرسمية تصبح نافذة حسب تشريعها الخاص ( أي نظامها الداخلي المصدق عليه من الجهة الرسمية)، وكوننا مجتمع محافظ فقد تكون تلك الجهات ذات صبغة دينية (مدسوسة) ، تريد تجنيد أبناءنا للإنضمام لداعش أو غيرها من الجهات التي تستقطب الشباب ما دون الثامن عشر ربيعا، هذه الجهات وبمجرد أن رخصت كجمعية أو شركة خاصة تُعنى بالطفل سيكون لها كل تلك الصلاحيات التي ستشن حربا على الأسرة الاردنية المتماسكة؟ و سيكون لها الحق في وضع السياسات (كما هو النص المقترح في القانون) لدى وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الداخلية للسيطرة على أولادنا بعيدا عن كنف أسرته ، الى مكان لا يمكنه التعامل مع أفراد مجتمعه على حد سواء؟ هل ترغبون أن تعطوا تلك الجهات المختصة (حسب تعريف القانون) الحق في تقييم اطفالنا النفسي والعاطفي ؟ نعم تلك الجهات المختصة والتي نص عليها مشروع قانون حقوق الطفل مذكورة في أكثر من ثلث القانون بصلاحيات لا يمكن حصرها و/أو السيطرة عليها، ولها الحق أيضا بالتواصل مع الاطفال مباشرة من غير المرور بأولياء أمورهم، ولها حق تدريب المرشدين والمعلمين والمتطوعين وارسالهم الى المدارس في كافة أنحاء المملكة ،ولكم أن تتخيلوا أطفالنا بعدها وسلوكهم الداعشي.
تخيلوا يا رعاكم الله ، أن مفهوم الاسر البديلة متواجد في المادة 13 من مشروع القانون ، وتراعي مصلحة الطفل الفضلى مع الجهات المختصة، وتخيلوا أن تكون تلك الجهات المختصة جمعية تحمل فكر داعشي ( مدني أو ديني) وهات قطّب.
السؤال الثاني حول الماسونية والانضمام لها ؛
نعم ، أؤيد الاستاذ أن الماسونية جميعة محظورة ، لكن الفكر الداعشي (المدني أو الديني) لا يمكن تتبعه في عقول الناس، فهو فكر خبيث يؤمن أن رسالته هي المُنجية بغض النظر عن الخسائر، ويُستسهل التسلل الى العقول بأي وسيلة كانت، وبالتالي الحرية المطلقة للأطفال الانضمام الى الجمعيات والاندية الثقافية والترفيهية بدون موافقة أولياء الامور سينشئ جيلا داعشيا، جيلا لا يقبل الغير، وغير قادر على التعايش، وفكر الاختلاف سيختفي، وهنا أود أن أشير أن الداعشية (المدنية أو الدينية) تتلاعب بالعواطف التي يمكن لأي مراهق أو طفل أن يشعر بها، فيجد عند خبيثوا النية ملاذا آمنا مزيفا قد يؤول به الى مجموعة من المفاهيم الرافضة لمجتمعه وعائلته ، فيصبح وحيدا وغير مرتبط وأسيرا الى أميره الداعشي (المدني أو الديني). أترضون هذا؟
ومن هذه النقطة ، تأتي الاجابة عن الإلحاد ، فالمعترضون لا يكترثون بالالحاد وحسب (إن كانوا مؤمنين) بل خلع الطفل عن اسرته والاستفراد به يأتي بالتطرف والاسراف أي الداعشية ( المدنية أو الدينية) فالفكرة ليست بالالحاد ، بل بخلعه عن أسرته، وحرمانه من أن يعيش في دائرة الفكر الآمن ، الذي توفره له أسرته – بغض النظر عن مستواها الثقافي- الامر الذي اذا ما توفر سيؤدي بالنتيجة الى الاستقرار الفكري والانتاج والابداع والانجاز . هذا تخوف جميع المعترضين وأتوقع الآن سيصبح تخوف المؤيدين.
السؤال الثالث حول طلب المعلومات (إياها) ،
يا سيدي انت تعلم أن المعلومات اياها تطلب على الانترنت بحياء، وكلما كانت هناك قوانين تمنعها سيكون هناك حاجز نفسي وسيعطي اولياء الامور يد اضافية لتخويف ابناءهم من الحصول عليها ، كما أن المعلومات (إياها) قد تكون اباحية أو قد تكون حول مفهوم (إدارة التوحش) وهو الفكر الذي تعتمد عليه داعش وقياداتها للترويج لفكرها الخبيث المسموم، فنحن جميعا نطلب أن تتركوا أطفالنا وحدهم ، فالمجتمع الاردني وصل الى مواصيل ثقافية ممتازة من خلال الاسرة المتوازنة، والتوازن هو المطلوب، بدون أي حق مطلق ، ومع رقابة الاهل المستمرة، وهذا شأن الدول الرأسمالية المتحررة تماما.
وهنا أريد أن أضيف ، إننا كمواطنين حسنو النية ، تفترض أن تقديم أي مشروع قانون من شأنه تمكين المجتمع للالتفاف حول أرضية أخلاقية إجتماعية مشتركة، ومجتمعنا الاردني بقيادته الهاشمية وريث الاخلاق الهاشمية النشمية المعتدلة، وكما تعلمون فان مقترح القانون بصيغته الحالية سيعمل على التاثير على هذا الإرث الوسطي الكريم، إما من خلال التشدد أو من خلال الانحلال، فيذهب ذلك البناء بجيل جديد بعيدا عن إرثه ووطنه ومجتمعه المميز الذي طال بنائه بهذا التوازن الدقيق.
فهذه دعوة للتوقف على دس القانون هذا وغيره من القوانين، دعونا نجافظ على مكتسبات وإرث الوطن الجميل الذي يغبطنا عليه الاحباء ويحسدنا عليه الاعداء.



