أقلام وآراء

نحن الذين نجور على العربية..!

علاء الدين ابو زينة ..

لاحظ العربُ والعالَم بقوة في “مونديال العرب” تجلياتِ الهوية الثقافية العربية الجامعة التي اعتنقها كل العرب في تنافس الهويات العالمي. كانت المنتخبات العربية التي لعبت في المونديال تشعر بأنها تلعب على أرضها وبين جمهورها. وتراجعت الهويات الدينية والعرقية والجيوسياسية لصالح عاطفة العروبة وتشجيع الفرق العربية –حتى أن اليهود من أصل مغربي في كيان الاحتلال، كما يقول تقرير خبيث النية في مجلة “الإيكونوميست”، احتلفوا بانتصار المنتخب المغربي.
غني عن البيان أن اللغة أقوى عناصر الهوية العربية، وأي هوية في الحقيقة. وقد عبر عن ذلك الشاعر الراحل أحمد شوقي، الذي قال في القصيدة التي تعلمها جيلنا في المدرسة الابتدائية: “ويجمعنا، إذا اختلفت بلادٌ/ بيانٌ غيرَ مختلفٍ ونُطقُ”. وبطريقته الأخرى، أكد حارس المرمى المغربي، ياسين بونو، عن اللغة والهوية، حين رفض أن يتحدث إلى الصحفيين بغير العربية، مع أنه يعرف ثلاث لغات أوروبية. وقال للصحفيين: ليست مشكلتي أنكم لا تتحدثون العربية ولم تحضروا مترجمين معكم”.
وكان بونو قد كرر نفس الموقف في مسابقة أقل أهمية من كأس العالم، بطولة أفريقيا. ولكن إعلان موقفه من الثقافة واللغة في “المونديال” لقي اهتمامًا عالميًا ومحليًا أكبر بالتأكيد. وثمة انطباع منطقي بأن يكون الإنجاز الذي حققه فريقه في المسابقات قد عزز عنده الاعتزاز بهويته ولغته، انسجامًا مع حقيقة أن لغة المنتصر تسود.
وإذن، تظهر وظيفة اللغة في الصراعات القائمة على الهوية، سواء لجهة تمرد المغلوب على لغة المنتصر كطريقة للمقاومة، أو لجهة دأب المهيمِن على فرض لغته بهدف إلغاء الهوية المستهدفة والسيطرة الكاملة عليها. ويعاني مواطنو أميركا اللاتينية بشكل خاص من تبعيتهم الحتمية للمركز الأوروبي بعد فقدان لغاتهم المحلية لصالح الإسبانية والبرتغالية. وعلى الرغم من انسحاب الاستعمار المباشر من بلدانهم، إلا أن تحدثهم بلغة المُستعمر سيذكرهم دائمًا بأنهم مستعمرون معرفيًا. وحتى لو أنتجوا أدبهم ونظراتهم الخاصة، فإن خصوصيتهم لن تظهر كثيرًا باعتبار أن إنتاجهم في النهاية ينتمي إلى الإسبانية، أو البرتغالية، أو الفرنسية في أماكن أخرى.
سجل التاريخ، بما لا يقبل الجدل، أن اللغة العربية قادرة على حمل أي مفهومات مادية أو مجردة. وقد تولت، في مرحلة من تاريخ البشرية، حفظ التراث المعرفي الذي سبقها وتسليمه في مرحلة لاحقة. وارتبطت هذه الوظيفة بصعود الحضارة العربية الإسلامية، حيث اقترنت قوة الحضارة بسيادة اللغة. وقد تعاملت العربية مع الفلسفة، والطب، والرياضيات، والأدب، والفيزياء والكيمياء وعلم الأعضاء والتشريح، وكل ما يمكن التفكير فيه المعارف. ولم تكتف العربية باستيعاب هذه المعارف وتوثيقها بالترجمة، وإنما واكبت الإنتاج المعرفي العربي في كل هذه المجالات، ولم تكن عاجزة عن التسجيل، كما يتهمها البعض الآن.
كان الفارق الموضوعي، هو أن الأمة التي تنتج المعرفة هي التي تطلق الأسماء على الأشياء التي تنتجها. وعندما انتقل الثقل الجيوسياسي والإنتاج المعرفي إلى الغرب، أصبحت اللغة العربية لغة مستهلِكة تركض خلف المفاهيم والتسميات في محاولة لتطبيعها. ويعرف المترجمون ومجامِع اللغة العربية ما يعنيه تطبيع كم كبير من الموجودات والمفهومات التي توضع في العالم كل دقيقة. وأصبح مفروضًا علينا، باعتبارنا أصحاب ثقافة غير سائدة، أن ندرس اللغات التي تنتج المعرفة حتى نعرف ماذا يحدث في العالم. وأصبح قصور حركة الترجمة يضيف إلى التخلف المعرفي، المرتبط حتمًا بالتخلف الجيوسياسي والخفة في ميزان القوة العالمي.
الآن، بعد أن كان أكوام من المستشرقين يقضون أعمارهم عاكفين في مكتباتنا ومجتمعاتنا على دراسة وترجمة –وسرقة- مخطوطات ما حفظته وأنتجته العربية، وتسهيل إخضاعنا على قاعدة “إعرف عدوك”، أصبح عدد قليل معني بدراسة لغة ثقافة مهزومة وقليلة الإنتاج. الآن يدرس العربية بشكل أساسي محللو وكالات الاستخبارات، وعاملو البعثات الدبلوماسية، وأقسام الدراسات الشرقية التي يغلب أن يكون دورها استشراقيًا بالمعنى السلبي.
من الطبيعي، على هذه الخلفيات، أن يحاول البعض التماهي مع المهيمِن بتقمص لغته. على أحد المستويات، يتراسل العرب الذين يضيقون بالهوية المهزومة المفتتة، ويطعِّمون حديثهم بالمفردات الأعجمية. وعلى مستوى آخر، سوف تضمن طريقًا أقصر إلى الشهرة والنفوذ إذا ألّفتَ ونشرتَ بالإنجليزية أو الفرنسية، سواء من حيث استهلاك سلعتك في ثقافات تقرأ، أو استقبالك كصاحب صوت مغاير.
في النهاية، لا يمكن أن يفضي التخلي عن لغتنا، أو الضيق بها، أو التحريض عليها، سوى إلى تعميق أزمة هويتنا وجعلنا أهدافًا أضعف وأسهل. وقد أظهر العرب أنهم ما يزالون يتوقون إلى تحقيق أي انتصارات لهويتهم الجامعة المكتوبة بنفس البيان والنطق. وفي الحقيقة، نحن الذين نجور على لغتنا، بهزائمنا وليس هي التي تجور عليها بزعم أنها عاجزة بنيويًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى