فن وعلم الإدارة والعمل عند “أبوغزاله”

محمد شريف الجيوسي
حرص المفكر العربي الدكتور طلال أبوغزاله من خلال حلقات برنامجه ( العالم إلى أين ) على فضائية RT الروسية؛ على تقديم رؤى متكاملة في السياسة والإقتصاد والإدارة والعمل.. وخص الحلقة 38 بتاريخ 4 تشرين الأول 2020.. بالحديث عن فن الإدارة والنجاح؛ والعمل كقيمة حضارية.
يرى أبوغزاله أن للنجاح الإداري أسراره، فالنجاح الإداري لا يقتصر على اختصاص معين وهو ضروري في الشركة، والمنزل، والمدرسة، والجيش الخ .. هو “فن وعِلم العمل والإدارة“. يستلزم في كل مجال وكل قطاع.
يوضح أبوغزاله، أن الإدارة ليست نظاماً أو أسلوباً بل هي فن فيه إبداع وهو أيضًا عِلم له قواعده، فعندما سئل (فرانكلين روزفلت) عن تفسير حسن قيادته وانتصاره في الحرب قال: “أنا لم أقد الحرب، أنا أدرتها” الإدارة هي أساس في النجاح في تحقيق الأهداف، فالأهداف لا تتحقق بمجرد أنك تملك أدوات النجاح كالمال وغيره من الأدوات.
لقد كان لتجربة أبوغزاله في النجاح والفشل دوراً للوصول الى هذه الخلاصة ، إلى جانب قراءة ما توصل إليه الحكماء ، فالحكمة لا تعني الجلوس والتفكير وإطلاق الحِكم ؛ الحكمة هي نتاج تجربة نجاح وفشل.
الإدارة الناجحة هي فن تحفيز الفريق على العمل ، وليس في أن يكون الشخص قائدًا أو مديرًا أو مسؤولًا حازمًا، وإنما في إستيلاد إمكانيات فريق العمل الذي يعمل معه.
المسؤولية الرئيسة لقادة العمل تحفيز الآخرين على العمل، وليس بإصدار القرارات بكيفية العمل أو السير في طريق معينة، وإنما تحفيزه لأجل عطاء أكبر إنتاجاً وأكثر إبداعًا.
ليس هناك طريقاً فضلى واحدة للإدارة الأكثر نجاحاً.. ولا بد من إجتراح أساليب وطرقاً للوصول بشكل أسرع وأفضل.
فن التواضع من أهم فنون الإدارة، فالقائد الناجح ينحني لزملائه ويتعامل معهم باحترام ومودة ومحبة، يُنتج أكثر من القائد الذي يهابه فريق عمله، حيث أن فريق العمل يصبح منتجًا أكثر إذا أشعرته بأنه هو صاحب الفضل في ما تم تحقيقه من نجاح، ” فالتواضع مدرسة النجاح.”
يجب أن ندرك أن العمل بشكل أكبر مقارنة بالأجر القليل الذي تتقاضاه وهذا ما أنصح به كل إنسان لأنه عند قيامك بذلك سيأتي اليوم الذي سيصبح فيه أجرك أكثر من عملك، هذا الأسلوب سيحقق لك النجاح في المستقبل.
وقديما أدرك فرسان العرب ومنهم عنترة بن شداد ذلك، قال “لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب، ولا ينال العُلا من طبعه الغضب” لذلك لا تظن أنه عند توبيخك لفريق العمل ستحقق النتائج المرجوة فالغضب لا يحقق النجاح لأي قيادة.
ولفت أبوغزاله، إلى أنه في عالم المعرفة يجب إدراك أن حسن الإدارة وحسن العمل والإبداع، لا يمكن أن يتم دون البُعد الرقمي، حيث أن تقنية المعلومات والإتصالات أصبحت أداة وعاملاً مهمّاً في تحقيق النجاح، فليس ممكنًا أن تنافس دوليًا ولا محليًا إذا لم تُدخل إلى عملك أساليب العمل الرقمي سواء كنت فردًا أو فريقاً أو قائداً، فقد باتت الإدارة الرقمية مطلوبة في الدولة والشركة وفي التعلم وكل شيء.
لم يعد الإبتكار ترفاً، بل هدفاً لتحسين الأداء والإنتاج، ولدى الحكومات ، بل لم يعد ممكنًا تحقيق أي نجاح، ما لم تستعمل تقنيات المعرفة التي تساعدك على الإبتكار.
يجب التسلح المستدام بالرؤى المستقبلية والتجديد، فما يصلح هذا الأسبوع أو هذا اليوم لا يصلح في الأسبوع المقبل أو غداً، ومن الخطأ العمل بمفاهيم ومعلومات سابقة، يجب أن تكون هناك رؤية للتغيير المطلوب في (التكنولوجيا، وأدوات العمل، وسياساته، والسوق الاقتصادية، والظروف الصحية والبيئية المحيطة والصراعات الدولية) فكل شيء يتغير يومياً، لذلك يجب أن تكون هناك رؤية مستقبلية بالتوازي مع تنفيذ عمل الأمس، وينبغي أن يكون المسؤول الإداري قادراً على التفكير والبحث لصياغة رؤية التطوير المستقبلية.
لا بأس من الإصرار بأن يظهر إسم الشخص على ما ينتج، لكن في آن ينبغي الإدراك بأن القيادة هي التعلُّم والتواضع، فعندما تصر وسائل الإعلام على أن تطلق لك إسماً، فلتقل لهم “عامل معرفة” فالإنتاج والتعلم أساسان، وعقل الإنسان لا يتوقف عن العمل حتى وهو نائم.
وتحدث أبوغزاله عن تجاربه عندما كان يأتيه أحد الزملاء، متحدثاً عن مشكلة تواجهه، فكان يعتبر أن المشكلة فرصة للنجاح والإنتصار، فلا ينبغي للإنسان اعتبار نفسه إنساناً عاجزاً، بل واثقاً بقدرته على الإبتكار والتغيير ومواجهة التحديات والمشكلات، فالإنسان يتعلم الإدارة والعمل من خلال الأخطاء والخطأ عبارة عن درس.
يشدد أبوغزاله لدى مخاطبته لأبنائه وبناته وأحفاده، أن الدروس التي يتعلمونها في المدارس والجامعات هي لتقديم الإمتحانات، ولكن عند الإنتقال إلى سوق العمل سيكون الأمر مختلفاً لأنهم سيواجهوا امتحانات الحياة ومن خلالها سيتعلموا الدروس، فكل عمل يقوم به الإنسان تكون هناك طريقة أفضل لأدائه، ولا يظنن أحد أن العمل الذي يقوم به هو العمل الأمثل، فلا بد هناك ابتكار وطريقة أفضل عبر مختلف المجالات يومياً، لافتاً إلى أنه في نهاية هذا القرن سينظر إلينا الأحفاد وكاننا كنا نعيش في العصر الحجري فما نعيشه الآن لا يعتبر الأمثل.
وقاعدة أخرى، يجب على القائد أن يعتبر نفسه عضواً في فريق، وذهب أبوغزاله، إلى أكثر من ذلك، بأن يكون رئيس الوزراء في أي بلد ليس صاحب الرقم الأول في الوزارة وإنما المنسق بين الوزراء وفي توزيع المهام والتكليفات.
مبيناً أن الإدارة الناجحة ليست مقرونة ولا مشروطة بالضرورة بالمؤهل العلمي والتخصص، فقد يكون هنالك طبيب لكنه أفضل كوزير تربية، لأنه يستعمل فن وعلم الإدارة، فالمسؤول في السلطة التنفيذية العليا مطلوب منه الإلمام بفنون وأصول الإدارة وليس مرتبط بتقنيات النشاط المناط به، الإدارة هي الإدارة في كل شيء، مستذكرا رؤية فرانكلين روزفلت بأن الحرب لا تحتاج إلى قيادة بل إلى إدارة، فالإدارة هي تشجيع الآخرين على الإبداع وإعطاء المزيد من الزخم والقوة لفريق العمل.
باختصار لا بد أن تتوفر حزمة شروط في المدير أو القائد أو الرئيس، فليس هو الذي يأمر فريقه بالعمل الإنتاج بطريقة معينة، بل هو الذي يستطيع تحفيز قدرات وأفكار فريقه وحثهم وتشجيعهم على العمل وإبداء الإعجاب بقدراتهم، وليس بتحقيرهم وإصدار الأوامر وممارسة السلطوية تجاههم.
واستدعى أبوغزاله، مقولات بعض الأعلام في هذا الصدد، كـ ديل كارنيجي الذي رأى أن “الإدارة لعبة فكرية وكلما فكرت بطريقة أفضل كلما حققت نتائج أعظم، لذا فكر جيدا وانتق من يفكر جيدًا واعمل مع من يفكر”،
ويقول جورج باتون، “لا توجه الناس دائمًا إلى كيفية أداء أعمالهم، أخبرهم بالمطلوب وسيفاجئونك بابتكاراتهم”،
ويقول توماس أديسون، “هنالك دومًا طريقة للقيام بالمهام بشكل أفضل، ابحث عنها”
وهنالك من يقول أن أفضل المعلمين هم من يؤدون دورًا في توجيهنا إلى أين نرى وليس ما يجب علينا رؤيته، لذلك الإدارة هي فن تحفيز الإنسان، مع ملاحظة أن كل إنسان هو عامل، وكلمة عامل شرف، معرباً عن الأمل بتقديمه كـ “عامل معرفة” من قبل من يريد إطلاق صفة عليه.
وشدد أبوغزاله على أن ثقافة العمل والجهد الإضافي تحتاج إلى الترسيخ في عالمنا العربي، فالذين تقدموا في حياتهم العلمية والعملية هم اللذين أدوا أعمالهم بأكثر مما هو مطلوب منهم، لافتاً إلى أن من يطيعه فريقه حبا له أفضل ممن يطيعونه خوفاً منه.
وخاطب أبوغزاله من يهاجمونه على وسائل التواصل الإجتماعي عندما يتحدث عن العمل كقيمة حضارية؛ عدم الركون إلى الراحة والدعة ، وهو ما يوجه به أبناءه وأحفاده رغم أنهم حصلوا على شهادات عليا أكثر مما حصل عليه هو .. منوها بما قاله (جورج برنارد شو): “كلما عملت أكثر، عشت أكثر” العطلة والراحة مضرة بالصحة وعندما تعمل أنت تعمل لنفسك حتى وإن كان هذا العمل غير مقدر لأن ما تكتسبه من خبرة وقدرة وعلم هو ملكك وليس ملك الشركة أو المؤسسة التي تعمل بها، مكررا الراحة مضرة بالصحة وأن الكسل وعدم الإنتاج مُضر بها ، مقترحاً استبدال مفردة عاطل عن العمل بـ باحث عن العمل ، كل إنسان يجب أن يكون باحثاً عن عمل إن لم يكن في عمل، كما أن كل إنسان يحق له أن يعمل ويجب عليه أن يعمل.
ودعا الشباب بأن لا يتقبلوا فكرة الجلوس في المنزل وقبض رواتب دون عمل فهذا ليس في مصلحتهم بل بمثابة عدو مؤذ لهم ، كما أن هذا سيقلل من أعمارهم التي سيعيشونها كما قال (جورج برنارد شو) “كلما عملت أكثر، عشت أكثر”.
وأبدى أبوغزاله ارتياحه النفسي كونه عمل في هذه الحياة على مدى 82 عاماً، ليلاً نهاراً دون توقف، معرباً عن إعتقاده بأن أحد أسباب بلوغه هذه السن الكبيرة بصحة وقدرة جيدة ؛ أنه قضى عمره وهو يعمل إعتماداً على حكمة (جورج برنارد شو).
فالعمل واجب وطني وفخر وعزة؛ فإن أردت خدمة عائلتك عليك؛ العمل وإذا أردت خدمة مستقبلك عليك؛ العمل، وإن أردت خدمة وطنك عليك بالعمل. ولم ينس أبوغزاله التنويه، أنه ببلوغه هذه السن بصحة وعافية، بين يدي قدرته سبحانه.
يخلص أبوغزاله إلى أن العمل هو سر النجاح وسر الصحة والسعادة والحياة، موضحاً بأن تأكيده على العمل كقيمة، ليس انتقاصاً من الشباب، وإنما من باب المحبة والحرص عليهم، فعندما يقدم الإنسان بقدر قدرته وأكثر مما يستحق من مقابل فإنه ينافس ذاته، وهذه سياسة وفن وعلم؛ العمل والإدارة.
محمد شريف الجيوسي



