ضوء في نهاية النفق

الدول والشركات الكبرى منشأ الفساد في العالم الثالث.. والمعطلة لمشاريع حضارية.. متناقضة مع مصالحها

عين الاردن

 

 محمد شريف الجيوسي

كشف المفكر العربي العالمي؛ الدكتور طلال أبوغزاله، كيف تعطّل دولًا كبرى تتحكم بمصير العالم والبشرية كـ الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة ومعها بريطانيا، توجهات عالمية محل إتفاق وتخدم الناس والحضارة وليست خلافية، فقط لأن تلك التوجهات لا تتفق ومصالح ما يسمى (المجتمع الدولي) الذي يُختزل إلى حد بعيد في أمريكا وبريطانيا.

وفي سياق حديث أبوغزاله عن برنامج الميثاق العالمي للأمم االمتحدة (UN Global Compact) المكون من 10 نقاط أحدها االفساد؛ الذي كلف بصياغته، في فترتي الأمين العام كوفي عنان وبان كي مون الأسبقين، يتضح؛ في حديثه الذي كان ضمن برنامج (شر البلية ما يضحك!) إندماج المصالح والمواقف البريطانية في المصالح والمواقف الأمريكية، ما يعني أنه اندماج قديم سابق بزمن كافٍ على قيام المحور الأمريكي البريطاني الأسترالي؛ مؤخراً.

فأمريكا عطلت بنوداً رئيسة في برنامج الميثاق العالمي للأمم المتحدة، الذي صيغ في التسعينات، وكان أبوغزاله وقتذاك على رأس هذه الصياغة وليس كما يقال قولاً عن قيل.. وشمل التعطيل بندي مكافحة الفساد والحفاظ على البيئة.

فمكافحة الفساد على المستوى الدولي يتعلق بمعادلة من طرفين أحدهما بلدان العالم الثالث الفقيرة والثاني الدول الغنية الغنية، وبخاصة الكبرى منها، فالمسؤولون في الدول الفقيرة لا يقومون بتمرير (المساعدات والدعم  والمشاريع).. إلا إذا كانت لهم فيها حصة شخصية، ليتم تمريرها.

ويكون الطرف الثاني من دول وشركات كبرى، على علم بذلك، بل هي من تعرض الرشوة وتشجع عليها، فهي سبيلها لكي تمر مشاريعها بسلاسة ليس فقط بالحصول على الموافقات المبدئية، وإنما أيضاً في التفاصيل، من حسابات كلف ومواصفات وعمالة عادية وفنية ومدد التنفيذ.. الخ، وللإمساك برقاب الفاسدين المحليين عند الضرورة، أمام شعوبهم وفضحهم،  فضلاً عن أن هذه المشاريع أحيانًا، لا حاجة للبلدان الفقيرة بها أو هي ليست أولوية، وكثيراً ما تخدم فقط الجهة المنفذة.

وهنا يفصل أبوغزاله بأن لكل عملية فساد طرفان، فاسد مدان إرتكب جريمة، ولكن المفسِد (بكسر السين) الذي قدم الرشوة هو أسوأ من المفسَد (بفتح السين)، لأن جريمة الفاسد؛ جريمة واحدة، أما جريمة المفسِد إثنتان لأنه فاسد بمساهمته في الفساد ولأنه أتاح لإنسان أخر بأن يصبح فاسدًا مثله.. لذلك لا ينبغي ملاحقة ومعاقبة ومحاسبة الفاسد فقط، بل من أفسده  أيضًا.. لذلك لا بد من ضبط واقع الإفساد وملاحقته.

ولفت أبوغزاله إلى الدور السلبي للإعلام، أحيانا.. إلى جانب المفسِد، فالشركات والمنظمات والمؤسسات العالمية تريد العمل وإقامة مشاريع تحقق لها مصالحًا وأرباحا، يذهب بعضها كعمولات ورشاوى  لـ وسائل إعلام وإعلاميين لتلميع وتبرير تلك المشاريع.

بند مكافحة الفساد لم يجر تعميمه أمميًا وترجمته في الواقع، بشكل كاف، كما هي مواضيع كثيرة لم تتم، لأن الطرف الأخر (المفسِد) ليس له مصلحة فيها، ووسائل الإعلام لم تلعب دوراً إيجابيًا كافيًا في تعميمها وتسليط الضوء عليها، وتحليلها وتوضيح أهميتها وحاجة بلدان العالم الثالث لها، وإنجاز مشاريع تنمية حقيقية في خدمتها وليس في خدمة طرفي معادلة الفساد، فاسد ومفسِد.

البند الثاني الذي قدمه أبوغزاله كمثال على فساد كبير ينفد بشكل آخر، هو في الواقع أكبر من مجرد فساد، فقد طلب منه صياغة مسودة بإقتراح معايير التدقيق والبيئة، فشكل فريق عمل.. وتمت الصياغة والاتفاق حولها، وحددت مواعيد إطلاقها، وكادت تصدر إلى أن جاء مندوبين أمريكي وبريطاني، في اللحظة الحرجة، فقال المندوب الأميركي (أنتم تقومون بإضاعة وقتكم!! هذه المعايير لا قيمة لها إلا إذا اعتمدت من مراكز القرار في الولايات المتحدة)!؟ بدوره أكد البريطاني ما قاله الأمريكي، ووضع المشروع على الرف، لأن (الإرادة الدولية) لم تكن لتؤيد هكذا مشروع يحمل الدول والشركات الكبرى الملوثة للبيئة مسؤولية تعويض المتضررين من التلوث، ما سيؤدي إلى إفلاس الشركات الكبرى، ما يعني أنْ ليس كل ما هو صحيح يمكن إدراكه وتحققه.

تناول الميثاق قضايا أخرى، محقة وضرورية مثل مسؤولية الشركات في خدمة المجتمعات المحلية، وهي مبادئ ليست خلافية لكنها ليست ضمن أولويات (المجتمع الدولي) وفي حينه أصر أبوغزااله على أن هذه مسؤولية إجتماعية ليست مساعدة ولا واجب، على الشركات القيام بها كمسؤولية.

فالمبادئ الإنسانية والمحققة للعدالة والمساواة والمستقبل الأفضل للبشرية، لا تحظ بالضرورة باهتمام المجتمع الدولي في الواقع، رغم أنها ليست (جدلية ولا خلافية وليس فيها ما يحرج)، ما يبرز مقدار ما ينطوي عليه عالم اليوم، من تناقضات مضحكة مبكية، رغم أن لكل إنسان، الحق سواء في افريقيا أو جنوب أمريكا أو آسيا، أو في أي مكان بالدنيا، ذات الحقوق في المساواة والعدالة والحياة الكريمة.

وحيث لم تكن ثورة المعرفة قد ظهرت، لم تُتضمن في الميثاق.. لكن أبوغزاله طالب لدى ظهورها، ضمها كحق إضافي من حقوق الإنسان وقبل الإقتراح أمميًا، لكنه كغيره من الحقوق لم يُنفذ، لأنه يحرج دولاً لم تعط حق الوصول إلى الشبكة العنكبوتية لمواطنيها، رغم أنه أحد الحقوق الأساسية، فقد بات الإنترنت أسلوب حياة، كما هو الجهاز العصبي في جسم الإنسان، لذا يجب على الدولة إتاحة وصول الجميع إليها.

——————————- 

m.sh.jayousi@jhotmail.co.uk

واتس وجوال : 00963981407709

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى