أقلام وآراء

الملكة رانيا.. حضور كاريزمي وذكاء وتوظيف قوة العدو ضده

حسان القاسم

لقاء جلالة الملكة أشعل مواقع التواصل الاجتماعي وحظي بإشادات واسعة ملايين المشاهدات عربيًا وعالميًا، حيث إن إتقان جلالتها كيفية مخاطبة العقل الغربي في المقابلة مع برنامج “واجه الأمة” الذي تبثه شبكة سي بي إس قلبت الطاولة وأحرجت السردية الإسرائيلية.
طرحت جلالتها جهة النظر العربية بحضور كاريزمي معهود عنها وذكاء ساحر وثبات منقطع النظير أمام أسئلة متعدد الجبهات، فكان من الطبيعي أن تسن الدعاية الإسرائيلية حربتها لإلهاب الرأي العام العالمي وتزييف الوعي وتحويل وسائل الإعلام إلى طبول وأبواق في زفة النفاق على مدار الساعة من أجل اجتزاء جزء يسير من المقابلة وإخراجها عن سياقها,
الملكة رانيا خاطبت جماهير من مختلف الخلفيات الثقافية والأيديولوجية، مؤكدة أن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط يرتبطان ارتباطا وثيقا بحل القضية الفلسطينية، وأن ما من أحد يكره الإسرائيليين بسبب الدين أو الهوية أو بسبب شيء متجذر فيهم ضد الشعب اليهودي، بل بسبب الاحتلال والتنكيل.
ومعروف ان تل أبيب تستخدم تكنيك دبلوماسي تسخّر فيه المعلومات المضلّلة والسرديات المخادعة التي تستهدف النخب السياسية الغربية وقادة الرأي وعامة الناس لخلق قناعة دولية وتصورات نمطية منحازة بشكل كبير للجانب الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين، ونجحت في حرف المسالة الفلسطينية من كونها صراعا على الأرض، إلى كراهية اليهود، أو كحالة صراع ضد الإرهاب.
ومع ذلك نجحت جلالة الملك خلال 31 دقيقة تلفزيونية مع المذيعة المشهورة مارغريت برينان في إيضاح حقائق -ربما تكون معروفة لنا كعرب- مغيبة عن العقل الغربي، وأوضحت أن الجهود المبذولة للتغاضي عن الحقوق الفلسطينية فشلت باستمرار في إحلال السلام في المنطقة.
إذن كانت رسائل الملكة رانيا واضحة؛ تجاهل حقوق الفلسطينيين لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة، ودعوة صادقة لأن يعترف العالم بالجوانب الإنسانية لهذا الصراع وأن يسعى جاهدا للتوصل إلى حل يحقق العدل والسلام والرخاء لجميع الأطراف.
تحدثت الملكة بوضوح لا لبس فيه عن خطورة التضليل في تجريد الفلسطينيين من الإنسانية، واعتبار أنهم عنيفون بطبيعتهم، بالفطرة، وليس بسبب تعرضهم للاضطهاد بما يسمح لإسرائيل تبرير ما لا يمكن تبريره، ودافعت بحماس عن القضية الفلسطينية، وقدمتها ليس فقط باعتبارها اهتمامًا إقليميًا، بل كقضية مركزية للعدالة العالمية حيث قالت إن الاستقرار في الشرق الأوسط يتوقف على الحل العادل.
وأشارت الملكة إلى أن كافة محاولات الالتفاف على حقوق الفلسطينيين لم تنجح في الماضي ولن تنجح في المستقبل، وشددت على أن السلام الحقيقي-لمن يرغب بالسلام- لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني ومعالجتها، وبخلاف حل عادل فلن يكون الطريق استقرار سهلا.
علاوة على ذلك، سلطت الملكة رانيا الضوء على التحديات المستمرة التي يواجهها الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الوضع المأساوية في غزة، والذي يستمر في التدهور وسط حرب إبادة جماعية غير مسبوقة، وفي هذا الصدد جددت جلالتها دعوة زعماء العالم والمنظمات الدولية إلى تكثيف جهودهم في تلبية الاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين والعمل بجد من أجل التوصل إلى حل سلمي.
ودعت الملكة رانيا في كلمتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف مبدئي تجاه هذه القضية، مؤكدة على ضرورة اتباع نهج يحترم الحقوق والكرامة الإنسانية إذ أن السبيل الوحيد للمضي قدما هو من خلال حوار يؤدي إلى سلام حقيقي ودائم، يحترم حقوق الفلسطينيين تماما مثل حقوق الشعوب الأخرى في جميع أنحاء العالم.
تعتبر المقابلة التي أجرتها الملكة بمثابة تذكير مؤثر بالديناميكيات المعقدة للصراع والحاجة الملحة إلى نهج شامل للسلام يأخذ في الاعتبار حقوق جميع الأطراف، وتؤكد دعوتها للعمل على الطبيعة المترابطة للسلام الإقليمي والاستقرار العالمي، وتحث على اتباع نهج جماعي وإنساني لحل القضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى