أقلام وآراء

الهوية والفكرة الكبرى

لا يتردد كثيرون من وصف الصراعات المحتدمة في العالم في آخر ثلاثة عقود بانها صراعات هوية بامتياز. وهذا ليس بالجديد، الجديد كيف نبني مفاهيم مختلفة للتقدم والتغير الاجتماعي والثقافي تقود إلى تغيير اقتصادي انطلاقا من تغيير النظرة للهوية، أي كيف تتحول الهوية من فكرة مشغولة بالماضي وبإعادة تفسير الذكريات الجماعية إلى قوة تتقدم بالجميع إلى الأمام من خلال قوة الهدف المشترك. أي بيئة محفزة على تغيير العلاقات التقليدية ونسج علاقات جديدة في بيئة محفزة تغير مفاهيم العمل والانتاج والنجاح. في العقود الأخيرة انشغلت الكثير من النظم السياسية والثقافية بفكرة الهوية المشتركة أو الهوية الجامعة وهي محاولة لترقيع الهويات ومع ان الذين انشغلوا بهذا الاطار طرحوا فكرة تجاوز الهويات الفرعية الا انهم رسخوها عمليا، ونكتشف اليوم انهم ابقوا مجتمعاتهم في اطر ما قبل الحداثة لأن الانشغال بالماضي والذكريات الجماعية بقي هو المهيمن، أي أن ما حدث لم يتجاوز الجمع دون الانصهار والتلفيق وليس التوافق، دون تجاوز المفهوم التقليدي للتنوع. وفي معظم تجارب هذا النمط من المجتمعات كان التنوع قشرة سطحية تخفي خلفها بذور الانقسام وتضعف التطور الاجتماعي والثقافي الذي يفترض أن يقود إلى الهدف المشترك وقوة التوافق التي من المفترض ايضا أن تتحول قوة سياسية ورأس مال اجتماعي محفز على التغيير واحداث الاختراقات الاقتصادية في الأسواق وفي الانتاج وفي العلاقات بين الدولة والمجتمع وبين السوق والمجتمع وفي ازدهار الثقة العامة. دراسات الهوية الجديدة تستلهم من التجارب الحديثة وتفيد من الوصفة التي تجعل الهوية تتجاوز الماضي والملامح الثقافية التقليدية للجماعات، واعادة تشكيلها على قوة الهدف الوطني الكبير القادر على جمع الناس والجماعات والنخب والطبقات والمؤسسات حوله، انها هوية مركزية لا تعمل لشيء أكثر من التقدم والتجاوز وتعظبم فهم مشترك للصالح العام؛ كما فعل جوليوس نيريري في تنزانيا ولي كوان يو في سنغافورة كما فعلت النخب الجديدة في دولة صغيرة ومنهكة بالحروب والفتن مثل روندا. الالتفاف حول هدف كبير أو فكرة كبرى، يعني احداث تغير تاريخي في مزاج المجتمع وشعوره وادراكه للعلاقات وإعادة تشكيل التوقعات العامة، في المحصلة تغير ثقافي تاريخي في النظرة إلى الذات وإلى الآخرين وفي النظرة إلى العمل والانتاج وإلى الماضي والحاضر والمستقبل، وهذا الانتقال العظيم نتيجة لثلاثة عوامل كبيرة في مسار بناء الدولة الحديثة، الأول : بناء دور القانون في الحياة العامة أي اعادة بناء العلاقات على صرامة القانون ونفاذه على الجميع. ان يتحول القانون إلى اداة مطلوبة ومرغوبة لتحقيق الصالح الخاص والعام أي بناء مجتمعات مؤسسة على وضوح قانوني، وبالتالي يتحقق نفاذ القانون وتتحقق قوة الردع العام التي تتحول مع الزمن الى ثقافة للمجتمع وللمؤسسات ويتحقق الامتثال العام، العامل الثاني : كفاءة المؤسسات المعنية بتقديم الخدمات العامة ويشتمل ذلك المزيد من الاختصاص والمسؤولية والمساءلة وبناء القدرات والتنظيم ببعديه المؤسسي القانوني والاخلاقي، ان بناء مؤسسات كفوءة وفعالة هو ما يمهد الى تطوير الأسواق وما يقود إلى متتالية من النجاحات والابتكارات الاجتماعية والاقتصادية التي تعمل على تحسين نوعية الحياة. العامل الثالث : بروز قادة وطنيين قادرين على العبور في اللحظات التاريخية بمجتمعاتهم وتوفير الظروف الملائمة للانتقال العظيم من خلال قربهم من الناس ومعرفتهم ومن خلال اتصالهم الوثيق بالعالم والمعرفة والقدرة على تقديم الابتكارات والحلول السياسية للمشاكل، هذا لا يعني العودة إلى دور الأفراد في التاريخ ولا تجاوز الأدوار التقليدية للادوات الديمقراطية. إن الخبرات الجديدة تفيد بان الهوية قد تتجسد بهدف كبير يجمع الناس حوله، وقد تتجسد بفكرة كبرى ذات مضمون عظيم وقادرة على خلق توافق واختراق، فقد تعبت المجتمعات من إعادة تفسير الماضي ومن تقسيم الأوطان على حدود الذكريات الجماعية المتعبة.

الغد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى