التواصل الاجتماعي كمورد اقتصادي

ابراهيم غرايبة
يشكل التواصل الاجتماعي (في معناه الأصلي وليس الشبكي) أساس الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية للأمم، فالأسواق والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية والسياسية والانتخابات والعمليات الثقافية والتجارية والشركات والبيع والشراء والتمويل وكل مفردات ومكونات الحياة صغيرها وكبيرها تعمل وتنجح أو تفشل حسب فاعلية التواصل الاجتماعي بين الأفراد بعضهم بعضا، ومع وبين المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية، الأسر، والجمعيات والنوادي والنقابات والوزارات والإعلام والنواب، كما الأسواق والشركات،.. وباختصار يجب أن يكون في مقدور المواطنين بناء تواصل اجتماعي فاعل بهدف تحسين حياتهم وأعمالهم وعلاقاتهم والتقدم نحو أهدافهم، ويقاس مستوى وفاعلية التواصل الاجتماعي بالثقة، ثقة الأفراد بعضهم ببعض، والثقة بين المؤسسات والأفراد، فارتفاع مستوى الثقة يساعد على تسهيل وتطوير بناء الشركات والجمعيات والمنظمات، ويقلل كثيرا من الأعباء القانونية والمالية على الأفراد والمؤسسات.
يقول فرنسيس فوكوياما في كتابه “الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي” هناك ثلاثة سبل عامة تؤدي إلى التواصل الاجتماعي، العائلة والقرابة، والجمعيات الطوعية خارج صلات القرابة مثل المدارس والأندية والنقابات، والدولة. وهناك أيضا ثلاثة أشكال من التنظيمات الاقتصادية متصلة بتلك السبل: المؤسسات التجارية العائلية، والشركات المحترفة، ومشروعات الدولة.
وقد تبين أن الثقة العائلية تساعد على إقامة شركات عائلية لكنها تظل محدودة ومهددة، ولا تقوم الشركات الكبرى إلا في مجتمعات تتمتع بثقة عالية تتجاوز القرابة، كما يلاحظ اليوم في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، إذ تتمتع هذه الدول بمستوى عال من الثقة العامة مكنتها من إقامة شركات كبرى وعملاقة ومتعددة الجنسية، في حين أن المجتمعات التي تقتصر الثقة فيها على القرابة، لم تتمكن من بناء شركات كبرى.
وتتميز المجتمعات الانجلو سكسونية (بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وإيرلندا) بقدرة مجتمعية وذاتية عالية على العمل والشراكة السياسية والاقتصادية دون تدخل أو مساعدة من الدولة، وقد تكون الفردية العالية برأي المفكر الاقتصادي الفرنسي جاك أتالي من أهم أسباب الريادة الأميركية في صناعة السيارات والأجهزة الكهربائية ثم الكمبيوتر والحوسبة. في حين تميز الفرنسيون بالاعتماد على الدولة.
إن الشركات العائلية تواجه مع الزمن مصيرا يكاد يكون حتميا، إذ تتفكك وتتعرض للإعياء والجمود، ولا مناص غالبا من تحويلها إلى شركة مساهمة عامة، ولكن هذا النوع من الشركات يحتاج إلى بيئة ثقافية واجتماعية وقانونية تلخصها كلمة واحدة؛ هي الثقة. ولم تظهر الشركات المساهمة إلا في منتصف القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة أولا ثم في ألمانيا بعد ذلك بقليل، ولم يكن ممكنا تطوير الاقتصاد إلا بتجاوز النظام العائلي في الأعمال والشركات.
لكن اليابان استطاعت أن تنشئ نموذجا ديمقراطيا اقتصاديا متقدما مع احتفاظها بالنظام العائلي والانتماء القوي، والدور الكبير للدولة في الاقتصاد والمجتمع، وقد اشتهرت وزارة الصناعة والتجارة اليابانية في مختلف أرجاء العالم باعتبارها العقل المفكر والموجه للتنمية الاقتصادية اليابانية، لكن يردّ ذلك إلى المنظومة الثقافية اليابانية التي تحترم الدولة، ويقابلها ثقافة أميركية معادية للبيروقراطية وتعتقد بتفوق القطاع الخاص على القطاع العام في كافة المجالات.
لكن في الحقيقة كما يقول فوكوياما فإن الدور الاقتصادي للدولة في اليابان أقل من الولايات المتحدة وفرنسا والبرازيل وتايوان، والحال أن ما تقوم به الدولة ليس رعاية أو شراكة اقتصادية بقدر ما هو دور التوجيه والتفكير والشراكة الاجتماعية، وما تؤديه مستمد من ثقة واحترام المواطنين، وليس بسبب الشركات التي تملكها أو الأموال التي تنفقها.



