محليات

الصحف الورقية احتضنت الوطن.. فهل ينسخها من ذاكرته؟

عين الاردن

كتب محمد قديسات
في خضم الحديث عن تبعات ازمة كورونا على الصحف الورقية التي توقفت عن الصدور تبعا لقانون الدفاع ولم تعد قادرة على الايفاء بالحد الادنى من مقومات الاستمرارية فيها واصبحت مهددة بالانهيار وتشريد مئات العاملين فيها نتيجة اغلاق نوافذها المالية المتاتية من التوزيع والاعلان والطباعة وبالتالي سقوط سلاح الكلمة والراي الذي وقفت به مع الوطن في السراء والضراء وكانت كالبندقية بيد جندي يحرس حدود الوطن او كطيار يحلق في الجو دفاعا عن سماء الوطن او كرجل امن ساهر على امنه وحمايته حركتها وضجيجيها لا يتوقف ولا يعرف الصبح من المساء كل منهك في اداء رسالته المهنية لينتج في النهاية رسالة الوطن ويبثها عبر الافاق.

ان الحديث عن الصحف الورقية هو الحديث عن الهوية ..هو الحديث عن معول البناء وهو الحديث نفسه عن خط من خطوط الدفاع عن الوطن كل الوطن فهل نتركه بلا هوية بزعم اننا في زمن التحول الرقمي والاعلام الرقمي مع ايماننا باهمية مواكبة العصرنة الا انه ليس من المعقول ان يبقى بلا هوية صحفية ورقية ناضلت وتحملت ودافعت وحملت الوطن الى العالم وفضاءاته ونقلت وجسدت موقف الوطن والدولة والنظام ومؤسساته حبرا تلون بعصارة من سكبوا عليه فكرهم وجهدهم وايمانهم فكانت الصحافة الورقية على العهد والوعد دائما.

نعم نحن ندرك ان الصحافة الورقية تراجع زخمها امام سباق رقمي محموم لا يعترف الا بالكسب والربح غير ابه بان يشكل ضمير الامة والوطن ينافح عنها على عكس صحفنا الورقية التي مثلت هويتنا الوطنية وضميرنا الجمعي كما مثلت المصداقية التي نبحث عنها في المادة الصحفية والاعلامية على حد سواء من اي مصدر كانت فهي عنوان المصداقية والثقة ومساحة الادراك للواقع ومنبر الكملة الهادفة والرسالة الموجهة لخير الوطن والامة.

وفي موازاة ذلك يجب ان نلتفت الى ثقافتنا وموروثنا الذي يتمسك به البعض بشغف تصفح الصحف الورقية وان سمع كل اخبار الدنيا بكبسة زر الا انه يبقى متحمسا لمعرفة المزيد والحقيقة من منابر اعتاد عليها وشكلت له وجبة دسمة اعتاد عنها ولا يستطيع الاستغناء عنها فهل نطمس هويتنا ومورثنا وثقافتنا بدعوى ان الزمن تغير وايقاعه تغير ايضا.

ومن باب المقاربة فان الانسان مهما تعود على الوجبة السريعة التي يتناولها في طريقه الا ان ذلك لا يسقط شهوته ورغبته بتناول وجبة دسمة لا تستطيع غير الصحف الورقية ان تقدمها له في الشان الذي يهتم به علاوة على ن القراءة بحد ذاته تعتبر متعة عند الكثير والا لما كان هناك حاجة لطباعة الكتب واقامة المعارض المحلية والدولية التي يؤمها الالاف ما دام يمكن الحصول على محتواها من ما اصبح يعرف”بالعم جوجل”.

واذا كان الحديث عن اهمية مواكبة الصحف الورقية للتطورات الرقمية المتسارعة فهي لن تتوانى عن ذلك وسارعت اليه وجميعها تمتلك هذه الادوات وربما تتفوق على الاعلام الرقمي احيانا في هذا المجال الا انها تبقى لها نكهتها الخاصة وهويتها التي التصقت بالوطن يوم لم يجد غيرها منبرا ومنصة له.

ولما كان الحال كذلك فانه المطلوب اليوم وقفة جادة وصادقة مع الصحف الورقية بدعم مباشر حتى تعود الحياة العامة الى طبيعتها بشكل كامل لان الحديث عن السماح للصحف الورقية بالطباعة والصدور في الايام القليلة القادمة لن يجدي نفعا بل سيزيدها خسائر فوق الاعباء التي تعانيها اصلا فهي لغاية الان عاجزة عن دفع رواتب العاملين فيها بعد ان جف الضرع وهي لا تستطيع الحياة الا بوجود حياة طبيعية كاملة حتى توزع ويقبل عليها القراء وتستقبل الاعلانات القضائية والتجارية وغيرها من نوافذ التمويل التي تعتمد عليها فالحديث عن اعادة عجلتها للدوران في هذه الظروف اشبه ما يكون “بالطعن بالميت”.

ان الكثيرين من النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والعلمية والاكاديمية وحتى مواطنون عاديون تبادلت الحديث معهم بهذا الخصوص قبل كتابة هذه السطور لم يقبلوا فكرة ان يكون الاردن بلا صحفه الورقية وشبوه ذلك بانه سيكون من الايام السوداء ناهيك عن ان مئات العاملين سينضمون الى قوافل المتعطلين بعد ان افنوا سني عمرهم وهم يلهثون وراء المعلومة والخبر الصادق والرسالة الهادفة وقد تلونت ايديهم بحبرها واصبحت رائحة مطابعها عطرهم المفضل والدائم.

ولما كان اهل مكة ادرى بشعابها فاننا على يقين بان الصحف الورقية التي احتضنت الوطن عندما تخرج من ازاماتها وتجد الدعم والحضن الدافىء قادرة على تطوير ادواتها ومحتواها الاعلامي الذي يتحدث عنه البعض كجريرة متناسين ان فاقد الشيء لا يعطيه”.

كلنا امل ان يعود كل منا الى معشوقته التي انبرت انامله وحبره وفكره في تلوين صفحاتها بكل تفاصيل وجزئيات الوطن والارض والانسان وهي اشد عودا واكثر ثباتا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى