الدكتور فادي القيسي.. القوة والأمانة في مواجهة اجترار الكفاءة

على مدار عقود، رافقت فيها أوجاعي ورحلتي في البحث عن الشفاء، لمست معنى الكفاءة الحقيقية التي لا تكتمل إلا بقرينتها: القوة التي يزّينها الأمانة.
هذه التجربة الطويلة مع المرض لأكثر من 40 عام قادتني للوصول إلى قناعة متأخرة حول ركائز النجاح والإدارة في المجال الطبي، بعيداً عن اجترار المفاهيم النظرية التي تتجاهل أردنة التجربة ومرارة واقعها المحلي.
لقد علمتني سنوات المكابدة الطويلة أن الفصل بين هاتين الصفتين يُفضي إلى الفشل المحتوم؛ فكم من قويّ غير أمين، تمكّن بعلمه وبراعته، لكنه هوى وسقط على المدى الطويل حين غابت النزاهة، وفي المقابل، كم من قوي متمكن لم يُكلف نفسه عناء الإنصات لمريض، فظلّ يرتهن لمعطياته المعرفية الخاصة وربما المادية وظل يدور في حلقة الفوقية المقيتة.
وفي خضمّ رحلتي مع المرض، وبعد لقاءات عديدة مع أطباء تنوّعت تخصصاتهم وتشابهت قلوبهم وصفاتهم ومقارباتهم، جاءت تجربة الدكتور فادي ثابت القيسي لتُلقي الضوء على هذه المعادلة الصعبة.
طرأ في بالي هذا الأمر، وأنا أشهد تجسيداً حياً لهذه المعادلة التي أرهقتني في البحث والتقصي، وكان ذلك حديثاً جداً، أي أن التجربة وضعتني في محك التوتر والقرار الحاسم.
التجربة الدكتور القيسي غيرت بعض المفاهيم لدي، لذا أصررت -بيني وبين نفسي- أن أكتب مقالة أننا يجب علينا أن نتحرر من الارتهان لمن لا يجمع بين القوة والأمانة.
ولأنني لمستُ في الدكتور فادي قوة العلم والخبرة التي تمنح المريض طمأنينة لا تُضاهى أقول ليس كل الأطباء سواء فتلك القوة التي تُنجز، وتعرف كيف تمسك بالخيط الرفيع بين الأمل والحقيقة مهمة لكن الأهم، كانت الأمانة التي لفّت هذه القوة بغلاف من الإخلاص والصدق.
تجربة الدكتور القيسي كانت مختلفة: أمانة في التشخيص، وأمانة في توضيح الخيارات، وأمانة في الإنصات إلى تفاصيل الرحلة والمعاناة، وإذا أدرجنا مفهوم (الاقتناع) بالكفاءة بأنه حالة خاصة، يمكن وضع مفهوم (تخصيص الزمن) بأنه حالة خاصة أيضاً.
ولأننا في عصر اجترار الكفاءة مع غياب الأمانة، فإن المعيار الحقيقي للنزاهة يظهر في كيفية إدارة أغلى الموارد: الوقت الذي يمضيه الدكتور فادي في فحص وطمأنة مريض واحد، يوظفه أطباء آخرون ربما لفحص عشرة مرضى على الواقف ومن وراء الطاولة، وهذه النزاهة المطلقة في تخصيص زمنه انعكست عليّ كأنني أستظلّ بظلال وافرة بعد مسيرٍ طويل في صحراء الوجع، وتثبت أن النقد البنّاء للواقع يبدأ من نموذج فردي يرفع معيار الخدمة.
لقد علمتني عقود المرض الخفي أن الطبيب الحقيقي، كالقائد الناجح، يجب أن يكون قويًا في أدواته، وأمينًا في مقصده، وعندما يجتمع التمكّن الطبي مع النزاهة المطلقة، يتحول العلاج إلى شراكة قائمة على الثقة، وتصبح العيادة محراباً يُعبد فيه الجهد البشري لخدمة الإنسان.
إن نموذج الدكتور القيسي، وهو يمارس مهنته بعمق وتجرّد، يذكّرنا جميعاً بأن النجاح ليس مجرد إتقان للأداة، بل هو إتقان للأخلاق، وأن تحرير التجربة الأردنية من شوائب الحساسية المفرطة يتطلب تكرار هذا النموذج الذي يضع أمانة الغاية في خدمة قوة الإنجاز.
ولان نموذج الدكتور فادي يذكّرنا جميعاً بأن النجاح ليس مجرد إتقان للأداة، بل هو إتقان للأخلاق يظلّ سؤالي معلّقاً في سماء التجربة، متى نرى نموذج الدكتور القيسي حالة عامة في كل مكان.
فيا ليت شعري! لو أن هذا الإيمان الخاص بمنهج الكفاءة يتجسد في كل طبيب يمارس مهنته بعمق وتجرّد، ليضمن أن تكون قوة الإنجاز في خدمة أمانة الغاية، وحينها فقط نتحرر من الخوف من الأنين، ونطمئن إلى أن رحلة الشفاء ستكون دائماً تحت ظل القوة والأمانة معاً.
حسان التميمي



