نحو تسويق دولي بالذكاء االصطناعي

عين الاردن
نحن نعيش الآن في عالم رقمي حيث يحاط المستهلكون باستمرار بمجموعة متنوعة هائلة من السلع والخدمات من مقدمي الخدمات في جميع أنحاء العالم. وتستخدم الشركات مجموعة كبيرة من األدوات والتقنيات، سواء من خالل اإلعالنات التقليدية أو الحمالت المستهدفة عبر اإلنترنت، لتثبت وجودها وأهميتها أمام العمالء وذلك في محاولة لتأمين حصة أكبر من السوق المتواجد فعليا داخل اقتصاد عالمي مفتوح. هذا المستوى غير المسبوق من المنافسة يدفع الشركات لتصبح أكثر ابتكارا لتجعل استراتيجياتها التسويقية أكثر استهدافا وفعالية بحيث تحصل على المزيد من العائد من دون أن تزيد انفاقها على عملية التسويق.
وبما أن العالم الرقمي جلب معه منصات تكنولوجية جديدة، فإن الشركات تستعين بخبرات شركات التسويق المتخصصة من أجل استهداف المستهلكين المعنيين بطريقة ذكية. ومع وجود الماليين من المستهلكين المحتملين على االنترنت، ال يمكن تحقيق التسويق الفعال إال من خالل التحليل الذكي لسلوك ومشاعر المستهلك بحيث يتم عرض اإلعالنات المثيرة لالهتمام وذات الصلة أمام جماهير من المرجح أن تشتريها. وهذا يجعل األساليب التقليدية للتسويق والتي تعتمد على خطة العمل العشوائية »hit or miss«، من خالل التسويق الشامل إلى أكبرعدد من الجمهور في محاولة لجلب اإلهتمام والمبيعات، غيرمجدية النهج. ومع ذلك فإن مستقبل التسويق هو شأن أكثر ذكاءً ويعتمد إلى حد كبير على عنصرين يعمالن بالتآزر مع بعضهما البعض – البيانات الضخمة والذكاء االصطناعي – )AI( والتي بدأت المنصات عبر اإلنترنت في استخدامها لتحقيق نتائج تسويقية أفضل.
تكشف نظرة على كيفية عمل الذكاء االصطناعي عن أنها تقنية قائمة على الرياضيات للمساعدة في التعرف على أنماط في المعلومات التي يتم تغذيتها والتي يمكن استخدامها بعد ذلك ألداء وظائف سريعة على مجموعات البيانات الضخمة. وهذا مفيد للغاية في تحليل سلوك المستهلك، والذي يمكن أن يساعد على تحديد االتجاهات واألنماط ويساعد في تقديم المشورة بشأن بناء حمالت تسويقية مستهدفة. غير أن هذا يعتمد على توافر كميات كافية من البيانات الضخمة للتحليل وأنظمة ذكية بما يكفي لفهم البيانات المنظمة وغير المنظمة.
ان الجمع بين وجود أنظمة AI الذكية، وكميات كافية من البيانات الضخمة المتعلقة بالمستهلكين، ومعالجة الحوسبة المتقدمة لسحق هذه المعلومات، يضع اآلن أساس التسويق المستقبلي.
وقد أدى انخفاض التكاليف وتوافر ونضج هذه التقنيات إلى اعتماد أكبر بين المسوقين حيث يمكن اآلن رؤية القيمة المقترحة لها. هذه عالقة تكافلية بين التقنيات التي تحتاج إلى وجود بعضها البعض في نظام بيئي جديد، مما يوفر قيمة كان من المستحيل تقريبًا اشتقاقها باستخدام طرق التسويق التقليدية ألن المتغيرات والتفاعالت كثيرة جدًا بحيث يتعذر على البشر تحليلها.
كانت منصات وسائل التواصل االجتماعي مثل Facebook وعمالقة مثل Google سريعة في تأمين حصتها في السوق وأصبحت رائدة في هذه التقنيات، مما أدى إلى إنشاء إمبراطوريات تقنية ضخمة نتيجة لتوفر معلومات غنية عن المستهلك عند للمسوقين حول عادات واتجاهات مستخدميهم، مما يسمح بإرسال المحتوى المستهدف إلى الجماهير المهتمة.
وكمثال على النجاح الهائل للتسويق باستخدام الذكاء االصطناعي، فإن إيرادات برامج AdSense وAdWords المستندة إلى الذكاء االصطناعي من Google تجاوزت 134.81 مليار دوالر أمريكي في عام 2019 وفقًا لشركة أبحاث السوق .Statista
هذا مبلغ مذهل لشركة تطور برنامج برمجي، محرك بحث يستخدمه العالم والذي تم االستفادة منه كمنصة تسويقية ضخمة لجمع المعلومات حول عادات المستهلك عبر اإلنترنت، وتاريخ البحث على اإلنترنت واالهتمامات والتفاعالت ومساعدة الشركات على بناء حمالت تسويقية متطورة. يدور التسويق حول إيصال الرسائل الصحيحة للجمهور المناسب وال شك في أننا في بداية تسونامي التسويق عبرالذكاء االصطناعي على االنترنت.
مع توفر العديد من أدوات ونهج التسويق بالذكاء االصطناعي اآلن، من الواضح أن الشركات تحتاج إلى استراتيجيات تسويق شاملة للذكاء االصطناعي من أجل تبسيط أنشطة التسويق بالذكاء االصطناعي، وتعظيم فوائد اعتماد التكنولوجيا وضمان إنفاق الميزانيات بشكل مناسب لتحقيق أقصى عائد على االستثمار .)ROI( من المهم للشركات الراغبة في اعتماد الذكاء االصطناعي للتسويق أن تدرك أن هناك تقنيات وممارسات وحوكمة ومهارات جديدة ستكون مطلوبة وأن الرحلة ستكون تجريبية حتى تتمكن الشركات من استخدام بياناتها لخلق قيمة وتجارب جديدة لعمالئها.
الفوائد التسويقة التي يجلبها الذكاء االصطناعي حاليًا تتيح للشركات:
- االنخراط في اإلعالنات المحسّنة من خالل السماح ألنظمة الذكاء االصطناعي بتعديل حمالت التسويق بذكاء. يمكن لخوارزميات التعلم اآللي))Machine-learning Algorithms إيجاد طرق جديدة لتحسين التخطيط وكتابة اإلعالنات واالستهداف. ويتيح ذلك للمعلنين تحسين الحمالت لألمثل وتجربة المزيد من المنصات اإلعالنية مما يؤدي إلى تطوير حمالت تسويقية أكثر فعالية.
- السماح للمستخدمين النهائيين بالحصول على تجربة موقع ويب شخصية من خالل اإلستفادة من الذكاء االصطناعي لتحليل ذكي لمئات من نقاط البيانات عن المستخدمين وعرض محتوى وعروض شخصية من خالل أنظمة الذكاء االصطناعي مثل تحليالت جوجل Google( .)Analytics
- السماح للشركات بتطوير روبوتات الذكاء االصطناعي للدردشة التفاعلية تعمل كمساعدين على اإلنترنت لتعزز التفاعل مع المستهلكين وتوفر مستوى من دعم العمالء لم يكن ممكنًا بخالف ذلك.
أتصور أن أنظمة الذكاء االصطناعي في المستقبل القريب ستشمل أنظمة واجهات المحادثة والمساعدين المنزليين االستباقيين، والتي ستمكننا من التفاعالت اللغوية الطبيعية مع الذكاء االصطناعي عبر الصوت. يمكننا بالفعل رؤية مثل هذه األنظمة مع تقنيات مثل Alexa و Siri وأجهزة الذكاء االصطناعي المنزلية األخرى التي توفر الوصول الصوتي إلى اإلنترنت مع مستوى من التشغيل اآللي المنزلي.
وستكون هذه األنظمة هي الهدف التالي للمسوقين، حيث تصبح واجهة جديدة يتفاعل من خاللها المستهلكون مع اإلنترنت. لن تجد مثل هذه األنظمة النجاح كأجهزة غبية، ولكن كأنظمة تفاعلية تأتي بأفكار واقتراحات استباقية لن يفكر فيها المستخدمون. وهذا سيوفر قطف غنية للمسوقين مع نضج هذه األنظمة لتصبح أكثر فائدة مع زيادة اعتماد المستهلك.
تعمل أنظمة الذكاء االصطناعي على تحسين قدرات المسوقين في أتمتة التحليل والمهام واالتصاالت . هذه األنظمة جيدة بالفعل في النظر إلى مجموعات البيانات الضخمة وتحديد العالقات بين جميع أنواع السلوكيات، متميزة بذلك عن البشر. ومع ذلك فإن الذكاء االصطناعي ليس جيدًا في االبتكار حتى اآلن.
وأرى أنه مع نضوج الذكاء االصطناعي ستصبح هذه النظم أكثر إبداعا وذكاء، وستصبح في نهاية المطاف جزءا ال يتجزأ من أي شركة. ستستطيع أن تنظر هذه األنظمة في مجموعات البيانات على مستوى المؤسسة لتتوصل إلى استنتاجات جديدة ومستقلة. سيتطلب هذا بدوره تحوالً كبيرًا في العقلية وسيصبح حتماً العالمة التجارية المستقبلية لبرامج إنتاجية األعمال.
يجدر التأكيد هنا على أن البيانات بالنسبة للذكاء االصطناعي هي كل شيء، وبدون ذلك لن يخدم الذكاء االصطناعي بمفرده أي غرض.
في الختام أود أن أقول إن الذكاء االصطناعي ليس مستقبل التسويق فقط، بل سوف يمس ويؤثر على كل تخصص لدينا في الوقت الحالي وهوفعليا سيكون مستقبل كل شيء. لذلك أدعو شبابنا إلى التركيز على أن يصبحوا باحثين وعاملين في مجال المعرفة لملء هذه األدوار وأن يصبحوا خبراء في الذكاء االصطناعي حيث يكمن المستقبل. ألني أرى أن هذا هو بقاء األصلح. سيكون الراغبون في اكتساب المهارات هم غداً الفائزون وال يوجد هناك سبب يعيق هذه المنطقة من أن تصبح رائدة في مجال الذكاء االصطناعي.
طالل أبوغزاله



