أقلام وآراء

المنطقة بعد سليماني

عبد الله المجالي

ليس رجلًا عاديًّا ذلك الرأس الكبير الذي اقتنصته أمريكا على حين غرة من النظام الإيراني ومن حراساته الخاصة.

قائد فيلق القدس (الجناح الخارجي للحرس الثوري الإيراني) الجنرال قاسم سليماني الذي قيل عنه الكثير يغيب عن المنطقة التي شغلها بتحركاته سنوات طويلة.

بصماته امتدت من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى اليمن؛ هذه العواصم التي قال عنها أحد قادة الحرس الثوري الإيراني إنها باتت تحت السيطرة الإيرانية. إذا كان ذلك صحيحًا فكل ذلك كان بفضل الداهية سليماني.

لم تكن تحركاته في الآونة الأخيرة في الظل، ربما لأنه اعتقد أنه بات هدفًا أكبر من أن يفكر الأعداء في استهدافه، وربما لأن أعماله لم تعد تقتصر على الجوانب الأمنية والعسكرية واللوجستية، بل امتدت إلى الجوانب السياسية، حيث يعتقد على نطاق واسع أنه مهندس الحكومات في العراق، بل كان الند القوي لنفوذ واشنطن هناك، وكلمته كانت هي الأعلى.

في الآونة الأخيرة باتت لدي قناعة بأهمية المزايا الشخصية وتأثيرها في المنصب في البلدان الراسخة في الديمقراطية، والمبنية قراراتها على المؤسسية الصارمة (ترامب وجونسون نموذجان)، فكيف في بلدان تفتقر إلى المؤسسية الصارمة، فضلًا عن مؤسسة عسكرية شبه مستقلة. المواصفات الشخصية تلعب دورًا هامًّا في توجيه مثل تلك المؤسسات.

تقول مصادر عبرية إن سليماني لم يكن يزود رؤساءه بكامل خططه العسكرية التفصيلية؛ رؤساؤه هنا هم قادة الحرس الثوري المنضوي تحته فيلق القدس. هذا لما يحظى به سليماني من ثقة كبيرة لدى المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، وهي الثقة التي أعطته كل هذه الحرية للتحرك والتخطيط والصرف المالي. فهل يستطيع أحد شغل مكانة سليماني في قلب خامنئي؟

سليماني لعب أدوارًا كبيرة في سياسة الشرق الأوسط، وخصوصًا فيما يتعلق بتحركاته وخططه ضد الكيان الصهيوني، ولا يجب أن نغفل دوره الكبير في دعم المقاومة الفلسطينية في غزة، ويؤكد خبراء دوره الكبير في التقدم الذي وصلت إليه الصناعة التسليحية والصاروخية، ناهيك عن الدعم المالي الكبير. أما دوره في دعم المقاومة اللبنانية الممثلة في حزب الله فلا تحتاج إلى بيان أو توضيح.

تتحدث المصادر عن دور سليماني الكبير في بناء خط التموين العسكري بين طهران والعراق وسوريا وصولًا إلى لبنان، وهو الخط الذي ما فتئ الكيان الصهيوني يعمل على إيقافه بكل قوة.

ناهيك عن محاولات سليماني تأسيس مقاومة سورية شعبية على تخوم الجولان.

لا يتصور أن كل تلك الجهود والقرارات الحاسمة كانت تنبع من مؤسسية صارمة، بل لا بد أن لمزايا سليماني الشخصية والفكرية دورًا بارزًا في دفعها للأمام. فليس كل القادة يمتلكون ذات الطموح وذات الشجاعة وذات الجرأة وذات الحب للمغامرة، وذات القدرة على السيطرة على الأفراد، وذات الدافعية الفكرية والأيدولوجية.

ورغم غياب المعلومات عن كيفية قيادة سليماني لفيلق القدس، إلا أن روحه وشخصيته كانت موجودة في كل تفاصيل مشاريع الفيلق التي أوصلت النفوذ الإيراني إلى هذه الدرجة، ولذلك فمن المتوقع أن تتأثر كل القوى المرتبطة به وبمشاريعه، والأيام القادمة ستوضح مدى هذا التأثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى