كيف يرد العرب على «الصفقة»..؟
حسين الرواشدة
كيف ستكون اصداء «صفقة» القرن في العالم العربي بعد اشهارها، بعبارة اخرى : ماذا نتوقع من ردود عربية واسلامية على «قنبلة» ترامب التي فجرها في وجوهنا، هل يتحول الشرق الاوسط الى ميدان لصراعات عنيفة او حروب «دينية» لا يعرف احد الى اين ستنتهي، هل سنشهد على الاقل قمة عربية طارئة يتوافق فيها الزعماء العرب على «لاءات» خرطومية جديدة، هل ستخرج الشعوب العربية الى الشوارع والميادين بالملايين لاعلان رفضها للمشروع الجديد..؟.
لن اذهب الى نجوم قراءة الكف والطالع او هواة التنجيم، دعونا نتذكر نموذجا واحدا فقط من ردودنا في العالم العربي، وهو قريب جدا (ايار 2018) جريمة نقل السفارة الامريكية الى القدس والاعتراف بها كعاصمة لاسرائيل، آنذاك كل ما رشح عربيا واسلاميا كان موشحا – ليس اندلسيا للاسف – بالغضب: المسيرات والاعتصامات والتظاهرات التي خرجت احتجاجا في شوارعنا كان عنوانها الغضب، البيانات التي صدرت من كل اتجاه، رسميا وشعبيا، كانت تدور حول الغضب، لغة التحليلات التي نظمها الخبراء ومقاولو التعليقات الساخنة كانت تفيض بالغضب ايضا.
هل سيتكرر المشهد اليوم، وهل سنرى صورتنا من جديد في مرايا الغضب فقط، والاهم هل تمتلك امتنا غير هذا الرصيد الضخم من الغضب، هل عجزت عن ولادة سلالة اخرى خالية من (كروموسومات) الغضب، هل اصبح قدرنا ان نغضب.. ونغضب حتى ننفجر، وماذا يفيد الغضب؟. الم نغضب حين هزمنا في 48 وانتكسنا في 67، وحين جنحنا الى السلام كضرورة، والى تسليم واشنطن مفاتيح القضية والى انتظار هدم الاقصى والى تدمير غزة، والى اخر المسلسل الذي كان الاحتلال بطله الفاعل.. ونحن على الشرفات نتقطع من القهر والغضب.
ليس صحيحا ابدا ان ثروتنا الوحيدة مجمدة في بنوك «الغضب»، او انها وقت الضرورة تسيل كالمياه الجارية لتسدد فواتير الدفع العاجل والشيكات الممهورة باسم مداراة الخجل والحرج، لدينا اكثر من غيرنا ثروات طائلة يمكن ان ترغم رؤوس غيرنا على الانحناء والتواضع حين يتعاملون معنا، لدينا اوراق وارصدة هائلة من السياسة الى الاقتصاد، يمكن ان نطرحها على طاولة المقايضة لينصت غيرنا الى اصواتنا المبحوحة، لدينا علاقات علنية واخرى سرية مع هذا الاحتلال حتى قبل مؤتمر مدريد وحتى قبل قرار جامعة الدول العربية انهاء المقاطعة غير المباشرة من الدرجتين الثانية والثالثة مع اسرائيل (1994)، لدينا علاقات سياسية وتجارية وسفارات ومكاتب، واتفاقيات وعهود.. يمكن ان نستخدمها بدون غضب للضغط على هذا الكيان وانتزاع التزامه واحترامه لحقوقنا، ولدينا ايضا معابر يمكن ان نفتحها بلا قرار من مجلس الامن لفتح شرايين الحياة على اهل غزة.
لا نحتاج لمزيد من الغضب وانما لمزيد من العمل والتضحية والتعب، لمزيد من الفهم والحركة والشجاعة، لخيارات واقعية تعكس قدرتنا على الدفاع عن ذاتنا وكرامتنا، بخطوات جادة تقنع الاخرين باننا ما زلنا احياء.. واقوياء.. ومصرين على الرد بالمثل، والتعامل بذات المكاييل.. والخروج من دائرة «الاستهانة» وطلاق منعطف التوسل والتنديد والغضب، واعتناق مبدأ «البادئ اظلم».
صحيح، ان نشعر بالغضب فهذا يعني اننا ما زلنا احياء، ولا تزال مشاعرنا تنبض وتتحرك وتتفاعل، لكن المشكلة هي اننا «ادمنا» على هذا الاحساس، ووقفنا عند حدوده، ولم نتجاوزها الى ما يفترض من فاعلية وانتاج.. او من «غضب فاعل»: يتحرك على الارض ويؤثر ويقنع الاخرين بان «حمرة الغضب» لا تقتصر على العيون والحناجر فقط، وانما الافعال والردود العملية ايضا.



