ضوء في نهاية النفق

حديث في الإشاعة والنزاهة .. واغتيال الشخصية ومن يقف خلفها

عين الاردن

 

محمد شريف الجيوسي

تزدهر الإشاعة في الظروف الإستثنائية كالحروب والكوارث ، متضافرة مع عدم توفر المعلومة الدقيقة المسؤولة .

لكننا هنا ، لسنا في حالة حرب والحمد لله ، ولا أصابت بلدنا كارثة طبيعية أو ما أشبه، تلاشت ـ لا قدر الله ـ من خلالها او بسببها الرؤية والمعلومة المتعلقة بها .

غير اننا نشهد احيانا نوعا من الخراب من صنع بعضٍ ( منا )   إستعذبوا المخالفة والاختلاف والقصص الغبية ونسج أردية عارية من الذوق السليم والأمانة والصدقية ، واستهدفوا حصراً رموزا وطنية أو قومية أو أكاديمية أو فكرية أو إقتصادية أو فنية مبدعة أو نضالية أو إيمانية أو سياسية ، حسداً من عند أنفسهم ، أو في خدمة شبهات وأشباه بشر ، لإسقاط قيم ، أو إغتيال فكرمعين ومواقف أو نجاحات باهرة ، أو تعهير مواقف تلقى إستقبالاً وطنيا وأوسع من ذلك ..

والبعض ممن أسقطهم ( الزمان ) من حساباته ، ظلماً أو عدلاً ، فحقدوا على المجتمع وعلى أنفسهم وعلى الناس اجمعين .. سواء ماضياً أو حاضراً أو حتى على من سيأتي لاحقا ، فاختلقوا رويات ولا أبدع ، لو فرغوها على ورق أو صفحات حواسيب ، لنالوا عليها ربما أرقى الجوائز ، ولكن أحلامهم المريضة لا ترق إلى ذلك ، وإنما همهم تشويه الآخر وإن أمكن إسقاط الآخرين كافة ، فيتساووا في العلة و” ما حدا أحسن من حدا ” .

نعرف في الثقافة الشعبية الموروثة جيلاً إثر جيل ، أن العاهرة أيا تكون وفي أي مجتمع ، ولا نقصد أحداً بعينه ، يسعدها أن تكون كل نساء الأرض عاهرات ، وترى في ذلك العدل بعينه ، فلا يليق بها إلا المساس بأعراض الناس ؛ كل الناس إن وسعها الجهد ؛ وليس النساء فحسب .

وكذلك حال الفاسد والسارق والخائن والضال والجبان وأضرابهم ، إن طباعاً لا فكاك منها ربما ، أو بيئة غير نزيهة ، أو ظروفاً فرضتها ، أو نتاج نتاجات مختلفة ، يتمنى أو يرى كل الناس ، على ما هو عليه من حال سيء.. هذا هو حال من يستعذبوا ترويج الإساءة .

وفي الموروث أيضاً ، أنْ زار رجلان المدينة ؛ لأول مرة في مجتمع لم يسبق لأحد فيه أن زارها ، فعندما عاد  الأول سؤل عما رأى فيها ، فقال أنه لم ير فيها غير الفجور والكبائر والفساد والتدابر الخ ، ولا ينصح لأحد بزيارتها وروى قصصا متخيلة عن محاولات إستدراجه ، إلى ما لا يليق .

ولما عاد الثاني ، سأله القوم  كما سألوا الأول ، فقال أنه وجد فيها ما أبهره  ؛ دور عبادة وعلم ومؤسسات تنشر الفضيلة ومساعدة المحتاجين ، ومحافل لتكريس النظام والفن الراقي بأنواعه وأنه يفكر بالإستقرار فيها .

ذهل القوم من تباين الروايتين ، لكن مسناً كان جالسا في زاوية من المكان ، قال لقد وجد أو ظن كل منهما ما  كان يبحث عنه ورسخ في مخيلته .

ويذهلني بعض من يحاربون لبس المرأة على نحو مايقولون كاسيات عاريات .. تراهم يبدعون في وصف  تفاصيل التفاصيل فيمن يصفونهن الكاسيات العاريات من النحور والصدور والسيقان ومجمل الأجساد الغضة الجميلة، ما يثير الرغبة أكثر مما يدفع عن الممارسة ، والسؤال أليس لو غضوا الطرف وتجنبوا ترف الإمعان في النظر، ما كانوا ليبدعوا في الوصف ، ولما أسرفوا في تعرية النساء إفتراضياً ، ولما تجاهلوا ما يستوجب الحديث بشأنه من قضايا المجتمع الأخرى الأولى بالرعاية ، ولأصلحت أمور الكاسيات العاريات ، كنتيجة للصلاح العام في في المجتمع ( على إفتراض صحة تجسيدهم كل عيوب المجتمع فيهن) ، لكن همهم ما كان صلاح الأحوال ولكن همهم الهروب من الأهم ، بل كان حرياً بهم إصلاح أنفسهم ، بدلاً من إختصار العالم بالكاسيات العاريات ؛ اللواتي استمتعوا في إمعان النظر إليهن .

من الواضح أن المجتمعات بحاجة للخلاص من ظواهر مرضية ، همها التشويه والنيل من رموزها ، بدلاً من الإعتزاز بها وبإنجازاتها على غير صعيد ،  والأسوأ في النهاية النيل من المجتمع ككل والشعب والأمة والقيم الوطنية والقومية والإيمانية والثقة بالنفس وبإمكانات التقدم والإصلاح والتحرير والحرية ، والنيا أيضاً من كل ما هو خير وحق وعدل ، واستبدال ذلك بالكفر بكل شيء نبيل وجميل ومبشر .

ومن المتعارف والمتفق عليه قانونيا وأخلاقيا عدم الاستمتاع بتجريح الناس أي ناس ، أوتأويل الروايات والإشاعات والقضايا على أنها حقائق فيما هي زيف بزيف ، بخاصة عندما تكون منظورة في القضاء ، أو مرفوض النظر فيها قضايا بإعتبارها مكائد أو لم يصدر بعد بشأنها قرار قضائي مبرم ،

بكلمات لا يتناول سمعة الناس أو شرفهم أو قناعاتهم أوفكرهم أو مواقفهم أو إنجازاتهم أو مصالحهم بسوء ، بغير حق ظاهر واضح ـ  إنسان سوي ، إنما ينطوي على نذالة أو دناءة أو محاولة إبتزاز ، أو إشغال المجتمع في قضايا تافهة عما ينفع الناس ويعمق لحمتهم ووحدتهم ،ويرسخ إبداعاتهم   .

وبإختصار شديد ، المفكر العربي العالمي الدكتور طلال أبو غزالة ، رجل من هذه الأمة ، خرج من الأنقاض واللجوء والعدم ، فقدم أنموذجا مشرفاً لهذه الأمة ، على غير صعيد  في الإقتصاد والإستثمار والفكر والسياسة والوطنية والمستقبليات والعلم والتعلم  ـ ظن البعض كما يبدو أن ما قدمه سيمس ما هو عليه من بقاء الحال على حاله ، دون إبداع أو تطوير أو ترويج لأفكار متطرفة فتنوية ، فأصبح بذلك هدفاً للإغتيال السياسي والإقتصادي والتشويه النفسي.

من هنا وفي كل القضايا المنظورة أمام القضاء ، وفي القضايا التي تتخذ طابع الإشاعة وإغتيال الشخصية ، وفي تلك التي لا يرغب مروجوها طرحها أمام القضاء للبقاء في رحبة أوسع للحركة غير المسؤولة ـ  نرى أن تتخذ الجهات المعنية قرارها بمحاسبة كل ( هبنقة ) أو عالم أو جاهل بما يروج ، حتى صدور القرار المبرم العادل من القضاء ، والبحث عن مروجي الأضاليل وخلفياتهم ودوافعهم ومن خلفهم ، بما أشغلوا الناس أيضاً ؛ وأساؤوا وحاولوا تلويث العديد من الأسماء .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى