أبعاد الهجمات الحوثية على المنشآت المدنية الإماراتية

عين الاردن…
عمر الرداد
خبير أمن استراتيجي
تطرح هجمات جماعة أنصار الله الحوثي ضد أهداف مدنية في الإمارات، جملة من التساؤلات المرتبطة بسياقاتها في هذه المرحلة؛ من حيث: ارتباطها بتطورات الحرب في اليمن بما فيها الهزائم المتتالية والمتسارعة التي تكبدتها الجماعة في محافظتي شبوة ومأرب، والضربات الجوية التي استهدفت قيادات حوثية وإيرانية في صنعاء، ومستقبل الحرب اليمنية وإذا ما كانت تسير في صالح الحوثيين.
ويتزامن تنفيذ الحوثيين لهذه الهجمات مع تطورات مهمة في العلاقات بين أبو ظبي وطهران، أقل ما يمكن أن توحي به أنها “انفراجة” في العلاقات وذلك بعد زيارات متبادلة لمستويات أمنية بهدف بحث سُبل التهدئة، بالرغم من استمرار الخطاب التصعيدي الذي تمارسه أوساط من الحرس الثوري الإيراني ضد المملكة العربية السعودية والإمارات، بالإضافة لعلاقة الهجمات بالتطورات في مفاوضات فيينا بين طهران والولايات المتحدة والقوى الدولية.
ورغم إعلان الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجمات، تبقى احتمالات تحديد الجهات المساندة أو المسؤولة عن تنفيذها أمراً صعباً، إذ قد يكون لوكلاء إيران الآخرين دوراً في هذه الهجمات، كما ولا يُمكن استبعاد أن تكون القيادة الإيرانية غير “مطّلعة” على حيثياتها وتفاصيلها، ولربما جاءت بالتنسيق مع أوساط متشددة إيرانية، تؤيد سياسات خارجية أكثر راديكالية، وتصب بمصلحة الضغط على المحادثات الإيرانية مع كل من السعودية والإمارات، وتسعى للتأثير في مسارات المفاوضات النووية.
ومن هنا؛ تبقى سياقات الهجوم بما في ذلك توقيتها موضع تساؤلات، وفقا للمعطيات التالية:
أولاً: الهجمات من منظور عسكري
لعلنا لا نبالغ في القول بأنه ومن منظور عسكري وقياسا على ما حققته الهجمات، فإنها مرتبطة بتحقيق أهداف “إعلامية” ضمن الخطط المتبعة عند إيران ووكلائها بما فيهم الحوثيين، وتعتمد وسائل وتكتيكات الحرب النفسية أكثر من كونها عملية عسكرية، لا سيما وأنها نُفذت عبر طائرات مسيرة، ضد أهداف مدنية (مطار أبوظبي ومنشآت وصهاريج نفط) وراح ضحيتها ثلاثة مدنيين، وهي مطابقة لهجمات الفصائل العراقية المسلحة التي تستهدف المنطقة الخضراء في بغداد، وهجمات الجماعات المدعومة من إيران في سوريا بالإضافة لحزب الله؛ حيث تستخدم جميعها الطائرات المسيرة إيرانية الصنع، ولا تلحق عادةً ضررا بالخصوم، وتبقى في إطار التأثير الإعلامي وإرسال الرسائل بالقدرة على إلحاق خسائر بالخصوم خاصة وأنها توجه غالبا ضد أهداف مدنية.
وعطفاً على ما سبق، يسعى الحوثيون من خلال توقيت الهجوم المرتبط بشكل مباشر في المستجدات الميدانية في اليمن، للتغطية على الانتصارات التي يحققها الجيش الوطني هناك بعد توحده مع ألوية “العمالقة” وتحرير شبوة، والهزائم المتتالية للحوثيين في محافظة مأرب، بالإضافة لضربات التحالف العربي المركزة والنوعية في صنعاء، والتي طالت قيادات حوثية وقيادات إيرانية وكوادر من حزب الله اللبناني كما صرحت تقارير إخبارية.
كما أن التحام ألوية “العمالقة” مع الجيش الوطني، أصبح هاجساً يثير مخاوف الحوثيين، ولذلك نجد أن المحتوى الإعلامي الذي قدمه الحوثيين ومؤيديهم بعد الهجمات وقبلها؛ يركز على الفصل بين الشمال والجنوب في اليمن والفصل بين جهود الإمارات وجهود السعودية في إطار التحالف لدعم الشرعية.
ومن الواضح أنه وفي ضوء الانتصارات المذكورة سابقاً؛ ستتواصل المعارك باتجاه تكبد الحوثيين مزيدا من الخسائر، لا سيما وأن تحضيرات تجري لمواجهة الجماعة في محافظات الحديدة والبيضاء بالإضافة لبدء تحضيرات تضييق الخناق عليهم في صنعاء.
ورغم أن البيان الذي أصدره الحوثيين حول الهجوم وملحقه “التعديلي”، أعلن استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ المجنحة، إلا أن هناك فرضيات أخرى تناقش أن تكون أدوات الهجوم انطلقت من مواقع خارج اليمن، من خلال إحدى الجماعات المدعومة من إيران في المنطقة، ولها ارتباطات وعلاقات مع الحوثيين، ويبدو أن تلك الفرضيات تدعمها تقديرات سابقة لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، شككت في صدق الرواية الحوثية حول مسؤوليتهم عن الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية في مارس 2019، مرجحين أن يكون العراق هو المصدر لتلك الهجمات.

ثانيا: البعد الإيراني في الهجمات
تتعدد المداخل التحليلية لقراءة وتفكيك الدور الإيراني في الهجمات، والتي تتجاوز حقائق أن القيادة الإيرانية هي الداعم الرئيسي للحوثيين، بما في ذلك الدعم العسكري وتزويدها بالطائرات المسيرة. لكن تطرأ تساؤلات مُلحة إذا ما كانت لإيران مسؤولية مباشرة في الهجوم، فما الذي تريد تحقيقه، بهذا التوقيت؟
يجادل البعض أن لإيران يد طولى في توظيف هجمات وكلائها، لإرسال رسائل تحذيرية، وهي بالنسبة للإمارات ذات صلة مباشرة في التطورات الميدانية في اليمن، بعد أن ساهم الدعم والإسناد الإماراتي لألوية “العمالقة” في تحرير محافظة شبوة والسيطرة على مناطق من محافظة مأرب، فيما يشير آخرون إلى الموقف الإماراتي من المحادثات النووية بين إيران والولايات والمتحدة، والتنسيق المستمر بين واشنطن وأبوظبي في كل مراحل المحادثات، ويربطها البعض الآخر، في إبراز طهران قدراتها على تحريك وكلائها، ضمن مساعيها لانتزاع تنازلات أمريكية، ووقف ما يتردد عن ضغوط أمريكية على الإمارات لتشديد العقوبات على طهران، بالإضافة لممارسة ضغوط على المملكة العربية السعودية قبل الجولة المقبلة من مفاوضات طهران – الرياض التي ترعاها بغداد.
ورغم ذلك، فإن هناك مدخلا آخر في التحليل، يرتبط في ضعف مركزية وسلطة القرار الإيراني على وكلائها في المنطقة، وبشكل أكثر تحديداً منذ الغارة التي قتلت قائد فيلق القدس، قاسم سليماني مطلع العام 2020، والتي أثرت على مستوى الانضباط داخل شبكة الوكلاء، خاصة وأن خليفته إسماعيل قاني، لا يمتلك التأثير أو العلاقات ذاتها التي كانت لدى سليماني في المنطقة، ووفق تحليل نشرته رويترز، تتحول إيران تكتيكياً من دعم الجماعات المسلحة الكبيرة إلى استخلاص نخب صغيرة تتبع مباشرة للحرس الثوري الإيراني، ويسهل تدريبها والسيطرة عليها.
ومن جهة أخرى، يربط محللين بين السعي الإيراني لنشر تقنيات الطائرات المسيرة بين وكلائها، والاستخدام المفرط لها من قبلهم، لا سيما وأن الكثير من الجماعات المسلحة المدعومة من طهران في المنطقة باتت تمتلكها، ولم تعد طهران تشرف في الكيفية التي يستخدم بها وكلائها هذه الطائرات، أو كما يقول مايكل نايتس من معهد واشنطن، “بمجرد أن تصبح هذه الأدوات متاحة في الميدان، يتعذَّر التحكم في كيفية استخدامها”.
وتظهر الهجمات التي استهدفت منزل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، حقيقة فقدان إيران سيطرتها على الجماعات المسلحة التابعة لها، حيث خلصت التحقيقات العراقية إلى أن الطائرات المستخدمة في الهجوم إيرانية الصنع، في وقت يستبعد فيه المسؤولين العراقيين أن طهران سمحت بالهجوم، ووفقاً لدوجلاس سيليمان، السفير الأمريكي في العراق (2016-2019)، لا يشكل اغتيال الكاظمي مصلحة استراتيجية لإيران، وذلك لأنه “يخاطر بإطلاق سلسلة متقلبة من الأحداث على حدودها”.

سيناريوهات ما بعد العملية
بالرغم من إعلان الحوثيين تنفيذ الهجمات، إلا أن جماعات مسلحة أو تيارات متشددة في الداخل الإيراني، قد ترتبط بالهجوم بشكل مباشر أو غير مباشر، لا سيما وأن فيلق القدس الإيراني تأكد أنه بقيادة قاني لم يعد بالانضباط والحضور والتأثير نفسه، الذي كان يمثله قاسم سليماني.
ومع ذلك يرجح أن رد فعل الامارات لن يكون مباشرا على الهجوم، بانتظار نتائج التحقيقات الأمنية، وبالتزامن يُرجح أن تتواصل العمليات المشتركة بين الجيش الوطني اليمني وألوية العمالقة وفقا للخطة العسكرية المرسومة والتي تستهدف محافظات أخرى، وهو ما سيشكل بحد ذاته ردا إماراتيا على الحوثيين. وعلى الهدف الرئيسي للهجوم، الرامي إلى وقف الدعم الإماراتي لألوية “العمالقة” ومشاركتهم في العمليات التي غيرت موازين القوى، خاصة وأن هناك موقفا عربيا ودوليا أبدى تضامنا واسعا مع الإمارات العربية المتحدة، وهو ما سيوفر أرضية مناسبة لأي رد فعل إماراتي بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية.
وفي الخلاصة، فبالرغم من أن السيناريوهات مفتوحة ومتعددة، إلا أنها لا تُغيب جملة من الحقائق، من بينها أن مثل هذه العملية مرتبطة بتطورات ميدانية في الحرب اليمنية تشير مخرجاتها إلى أنها ليست في صالح الحوثيين، وأن الجماعة تظهر سلوكاً لا يختلف عن المنظمات الإرهابية الأخرى عند الضغط عليها أو على مكاسبها، في محاولاتها للعبث بزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما يفترض منطقياً إعادة النظر فيه من قبل الإدارة الأمريكية لإعادة تصنيفها كمنظمة إرهابية، حيث لا تختلف عن غيرها من الجماعات المدعومة إيرانياً والمصنفة إرهابياً عالمياً.



