عُمان… وطن لم أره بعد وعرفته من مواقفه

كتب مروان التميمي..
ثمة أوطان نزورها فنعرفها، وثمة أوطان نعرفها قبل أن نزورها؛ لأن سيرتها تسبق جغرافيتها، ولأن مواقفها ترسم لها في الوجدان صورة لا تحتاج إلى سفر.
وسلطنة عُمان من تلك الأوطان.
لم أرَ عُمان بعد، ولم تمشِ بي الخطى بين جبالها، ولم أقف على شواطئ بحارها، لكنني عرفتها من شيء أبقى من الصورة؛ عرفتها من هدوء شعبها، ومن وقار دولتها ومن سياسة اختارت عبر السنين أن يكون لها صوتها الخاص، وأن تجعل من الحكمة قوة، ومن الاتزان موقفاً.
في عُمان شيء يشبه تاريخها العريق؛ هدوء لا يعني الغياب، وصمت لا يعني الحياد عن القيم، وثبات لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت حضوره.
وفي قيادتها امتداد لمدرسة وضعت بناء الدولة والإنسان في صدارة الأولويات، وحفظت لعُمان شخصيتها المستقلة ومكانتها التي صنعتها بالعقل والحوار واحترام الآخر، حتى غدت تجربتها مثالاً على أن قوة الدول لا تكون دائماً في ارتفاع أصواتها، بل كثيراً ما تكون في اتزان قراراتها ووضوح مواقفها.
أما الشعب العُماني، ففيه من أصالة المكان ما يجعل الحديث عنه حديثاً عن أخلاق وطن. شعب عُرف بالكرم والهدوء وحسن اللقاء، وبقي متمسكاً بهويته وأصالته، وهو يمضي بثقة نحو المستقبل.
ولعل أجمل ما في عُمان أنها لم تحتج يوماً إلى رفع صوتها حتى يسمعها العالم.
كانت مواقفها تتحدث عنها، وكانت حكمتها تمنحها ثقلاً أكبر من ضجيج السياسة، وكانت أبوابها المفتوحة للحوار تقول إن الدول الكبيرة لا تُقاس باتساع الجغرافيا وحده، بل بوزن الموقف حين تضيق الخيارات، وبقدرتها على إبقاء جسور الحوار قائمة حين تنقطع الجسور.
وحين أتحدث عن عُمان التي عرفتها من مواقفها قبل أن أراها، لا يمكنني أن أتجاوز حضورها في الأردن، ممثلاً بسعادة الشيخ فهد بن عبدالرحمن العجيلي، سفير سلطنة عُمان لدى المملكة الأردنية الهاشمية.
فقد عرفت فيه صورة تليق بالوطن الذي يمثله؛ هدوءاً في الحضور، ورقياً في التعامل، وحرصاً صادقاً على توطيد العلاقات الأخوية والتاريخية بين الأردن وسلطنة عُمان. وفي حضوره وتواصله وجهوده، يمكن للمرء أن يلمس شيئاً من المدرسة العُمانية ذاتها: احتراماً للآخر، وقرباً بلا تكلف، وعملاً هادئاً لا يبحث عن الأضواء بقدر ما يبحث عن الأثر.
ولعل من أجمل ما يمكن أن يقدمه سفير لوطنه أن يجعل من لم يزر بلاده يشعر بأنه عرف شيئاً منها، وأن يرى في شخصه بعضاً من أخلاقها ووقارها وقيمها. وفي سعادة الشيخ فهد العجيلي رأيت شيئاً من عُمان التي سبقتني إليها مواقفها.
ولهذا بقيت عُمان في الوجدان صورة لوطن يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، وكيف يحفظ مواقفه من غير أن يفقد هدوءه، وكيف يكون قريباً من الجميع من غير أن يتخلى عن استقلال قراره.
وطن تحترمه قبل أن تعرف طرقاته، وتقدّره قبل أن تطأ أرضه.
عُمان لا تحتاج إلى كثير كلام.
يكفيها أن مواقفها سبقتها إلى القلوب.


