آخر المستجدات

لِمَاذَا حَضَرَ الأمْنُ، وَغَابَتِ التَّنْمِية؟ “..في مُؤتَمَر جدّة للأمْن والتّنْمِية”

 

د.عماد الخطيب

اتّفق القادة العرب، والرئيس الأمريكي في “مؤتمر جدة للأمن والتنمية”، المنعقد في السادس عشر من تموز من عام 2022م، على أولويّة ضمان الأمن في الشّرق الأوسط، وبكافة فروعه: (الغذائيّ، والصّحيّ، والبيئيّ، والمِلاحيّ)، مع تركيزهم على الأخير تركيزًا واضحًا، وتوصيتهم بضرورة: “الحدّ من تهديد أمن المِلاحة”.

وتحدّثوا عن أزمتين شغلتا العالم، هما أزمة التّغيّر المناخيّ، وأزمة إمدادات الطّاقة، مما أوجب “ضخّ الاستثمارات في الطاقة الأحفوريّة، والتقنيات النّظيفة، والمساهمة في تحقيق شعار [شرق أوسط أخضر]”، وإنشاء “بنك الشّرق الوسط للتنمية والتكامل” بالشراكة لربط اقتصاديّات المنطقة العربيّة، وتوطين الصّناعات، والاستثمار في حلول للموارد المائيّة والتّغيّرات المناخيّة.

وقد جرى الحديث عن الدّولة الحديثة ذات الهُويّة الواحدة/الجامِعة التي يدعمها نشر ثقافة الاعتدال والتّسامح، وما يتبع ذلك من أهمية استقرار الخليج، والشرق الأوسط، وخلوّهما من التّسليح النّوويّ، وأسلحة الدّمار الشّامل، والسّعي إلى حلّ الخلافات بشرط احترام سيادة الدّول، مع إشارتهم إلى عدم هيبة النّظام الدّوليّ الحالي، ومطالبين “بألا يكون اتّباعه اختياريًّا، وأن يتمّ تطبيقه على نحوٍ غير انتقائيّ”.

وانفرد الرّئيس الأمريكيّ باتّهام ثلاث دول في زعزعة الأمن، وتقويض (النّظام العالميّ) وهي: الصّين، وروسيا، وإيران، متحدّثًا عن (رؤية أمريكا للتّحديّات في الشّرق الوسط)، ومطالبًا بشرق أوسط أكثر (توحّدًا)، و(انفتاحًا)، و(فرصًا) وفق إطار يعزّز يدعم (النّظام العالمي القائم على القواعد)، و(حقوق الإنسان وقيم الأمم المتحدة)، و(التّعاون الاقتصاديّ/ العسكريّ بين الشّركاء)، ويُمكّن من (سبل تحقيق النّموّ والتّطوّر وتعزيز العدالة) التي تتمركز في عدم الخوف من الانتقاد البنّاء، وحرّية تبادل الأفكار، وتعزيز الابتكار والإبداع، ومساءلة الفاسدين، واحترام القانون، مع التأكيد على عدم مغادرة أمريكا للشّرق الأوسط.

وبعد،

فأين التنمية من كلّ هذا؟

نعم، “لا تنمية دونما أمن أو استقرار”، ونعم، “لا أمن أو استقرار أو تنمية دونما حلّ للنّزاعات”، ولكن لا مبرر لغياب شروط التنمية المجتمعيّة، عن مؤتمر بحجم مؤتمر جدة، وقد عُنون بـ: (مؤتمر الأمن والتنمية)؛ وإن جاء ذكر التنمية المستدامة في درج الكلام، كما في الحديث عن التّكامل الإقليميّ في شؤون النّقل، والكهرباء، والمياه، وضرورة تحمّل الكلّ لمسؤولياته في إنجاح التّكاملات التّشاركيّة البنّاءة للمجتمعات، على أساس من “الدّيمقراطيّة، والمواطنة، والمساواة، واحترام الغير، ونبذ الطّائفيّة، وإعلاء المصلحة الوطنيّة”.

وختامًا..

فثمّة أمن من نمطٍ آخر، ولا يقلّ أهمية عن بقية فروع الأمن التي ذكرها القادة العرب..

إنّه (الأمن المعرفيّ)..

ذاك الذي يشير إليه الدكتور طلال أبوغزاله، طالبًا منّا تأمين: “الغذاء والدّواء والتّعلّم”؛ إذ التّعلّم هو أساس المعرفة.. وكما يقول غير مرة: “بالمعرفة، لا بغيرها، يمكننا أن نسود العالم”، مشيرًا إلى أهمية استرجاعنا لماضينا العربي الذي سُدنا فيه العالم، لا بشيء، إنّما بتفوّقنا المعرفيّ، ولا سبيل لنا بسيادته إلا بالمعرفة فقط.

ويتمثّل “الأمن المعرفي” في مسارين، هما مسار (محو الأمّية الرّقميّة قبل الأمّية الأبجديّة)، ومسار (التّحوّل الرّقميّ) وهما مساران مفروضان إجبارًا، لا خيارًا مَتروكًا، فكما أنّنا معنيّون بحماية مياهنا الإقليمية، وإمداداتنا في الطّاقة، وحماية أمننا الغذائيّ، والآخر الصّحيّ، فإنّنا معنيّون، كذلك، بحماية مستقبلنا المعرفيّ.

ويتطلب أمننا المعرفيّ تفعيل نمط آخر لا يقل أهمية عن البنية التّحتية؛ ذاك المتمثل في تفعيل (الكفاءات) والاعتراف بـ (القدرات العربيّة)، و(استعادة ما هَاجَرَ منها)، و(دعم مشاريع الاقتصاد المعرفي التنموية) ذات (الرؤية المشتركة)، بتوفير خطوط (البنية التحتيّة) والتّشجيع على (البحث عن الابتكارات الاستثمارية في أدوات المعرفة).

وذلك يتساوى – إن لم يتفوق – على استثمارنا في الغاز، أو الطّاقة البديلة.

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى