إيناس لم تتعرض للتحرش!

إيناس سيدة في الخامسة والعشرين من عمرها، تعمل في حضانة للأطفال تابعة لإحدى المدارس الكبيرة. هذه السيدة الصغيرة لم تنه تعليمها الثانوي؛ حيث اكتفى أبوها بالصف السابع الأساسي، بل واعتبره حينها تجاوزا للمألوف بالنسبة لأخواتها الأخريات. إنما ولأن إيناس كانت عنيدة ولم تقبل أن تنزل إلى المزارع لجني مزروعات المواسم المختلفة، استطاعت أن تجرجر آمالها في التعليم إلى المرحلة التي تتواجه فيها مع حقيقة العريس الجاهز.
هكذا كان، وتزوجت إيناس ذات الأربعة عشر ربيعا بعد أن استطاع أهلها تزوير أوراق ميلادها وتبديلها ببطاقة شقيقتها الكبرى، من أجل ألا تضيع الفرصة عليها بعد أن تقدم لخطبتها شاب من قريتها يعمل في دولة خليجية، وبوظيفة محترمة وعالية بحسب تصريحات والدته الفخورة به!
طبعا هذا الموظف المحترم ذو المنصب العالي ارتأى حين يكون أسرة بأن طفلة في بداية عمرها لم تتلق تعليمها ولم تر الدنيا خارج حدود المزرعة، ستكون أنسب أم لأطفاله الذين سيتركهم مع أمهم بعد ذلك في منزل عائلته، ويزورهم مرتين في العام، جالبا معه الكثير من الهدايا والحلويات والأموال التي تتلقفها والدته وتوزعها عليهم باقي السنة، حسب ما تراه هي مناسبا.
كانت إيناس تتعامل مع أحداث عمرها كشخص متفرج من بعيد، ليس له دور أساسي في سيناريو الحياة. مجرد كومبارس غير معروف تملأه الأماني الساكتة لأن يصبح بطلا في مسرحية ما، ويثبت أنه قادر على حمل الرواية وباقتدار! لكن الكومبارس كان يقف في الكواليس بانتظار إشارة ربما تأتي أو لا تأتي للتدخل في الأحداث، فقط من أجل إنقاذ الرواية.
يمرض بكرها ويحتاج إلى عملية، فتمنع من تحمل المسؤولية القانونية لإجرائها بسبب غياب الأب، ويكمل الولد بقية عمره وهو يحمل إعاقة دائمة خلفها قانون هو نفسه فاقد للأهلية. تنتحب صغيرتها الذكية من أجل موافقة على رحلة إلى البترا والعقبة، فلا يؤخذ بموافقة إيناس كمرجع قانوني يتحمل المسؤولية. حتى إنها لم تكن تملك في جيبها العشرين دينارا المطلوبة ثمنا للرحلة. لم تكن تملك في جيبها في الحقيقة دينارا واحدا، طالما احتياجات أسرتها من مأكل وفواتير وملابس موفرة وعلى “الليبرة”!
في المقابل وحين توفي والدها، كان لزاما عليها أن تتنازل هي وأخواتها لشقيقهن الوحيد عن ميراثهن (وعن طيب خاطر).
اليوم، استطاعت إيناس أن تنتزع قبولا بعملها في الحضانة التي تتبع مدرسة كبيرة فتحت على أطراف بلدتها على مساحة تتجاوز بلدتها أصلا. انتزعت القبول في إحدى زيارات زوجها بعد أن قرأت دعاء القبول في وجهه ثلات مرات قبل أن تطرح طلبها، كما وصتها جارتها!
تعمل عشر ساعات متواصلة كمساعدة في الحضانة، لا يتجاوز فيها راتبها المائة وعشرين دينارا، في مقابل رواتب مضاعفة لمساعدين ذكور في المكان نفسه ولا يمتلكون أي مميزات إضافية عنها، ورضيت. مثلما رضيت أن تدفع لابنة حميها أربعين دينارا شهريا مقابل حضانتها لطفلها الرضيع، الذي رفضت إدارة المدرسة الكبيرة أن تنشئ له ولعشرات الرضع من أبناء العاملات والمدرسات غرفة خاصة، يكونون فيها تحت أعين أمهاتهن، ولا يحرمون من الرضاعة الطبيعية.
إيناس، لم تتعرض للتحرش في حياتها، لا الجسدي ولا اللفظي ولا الإيمائي. إيناس لم تتعرض والحمدلله أيضا للعنف الجسدي أو النفسي من قبل زوجها الزائر ولا حتى حماتها القوية. مع ذلك كله، لا أحد في يوم مقاومة العنف ضد النساء يتذكر إيناس، رغم أنه يومها هي أيضا مثل المعنفات والمتعرضات للتحرش. بل هي أيامها كلها!



