قراءة في تقييم ابو غزاله لقرار محكمة العدل الدولية بشأن دعوى جنوب إفريقيا على ” إسرائيل ” بشن حرب إبادة جماعية على غزة الفلسطينية

محمد شريف جيوسي
قيّم المفكر العروبي العالمي دكتور طلال أبو غزاله ؛ إيجابيا ؛ قرار محكمة العدل الدولية بصدد الدعوى التي رفعتها جمهورية جنوب إفريقيا بشأن حرب إبادة جماعية شنتها إسرائيل وما تزال تشنها على قطاع غزة الفلسطيني ومواطنيه وقتل آلاف الأطفال والنساء والمسنين والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة والكوادر الطبية والإعلاميين والصحفيين وموظفين أمميين ، وتدمير البنى التحية من مستشفيات ودور عبادة مسيحية وإسلامية ومؤسسات تعليمية وتربوية وثقافية وأممية كـ (الأونروا) الخ .
ولكي تكون مغازي تقييم أبو غزاله الإيجابية واضحة ؛ كما رآها ، أعرض أولاً مفهوم الإبادة الجماعية لدى المحكمة الذي يبرز من خلال حيثيات قر ارها ..
ـ حيث ميزت المحكمة في قرارها بين ممارسة الإبادة الجماعية وبين التحريض عليها وبين دعمها أيضا .
ولذلك رأى أبو غزاله، أن المحكمة إتخذت قراراً ذكياً بعدم النص على وقف الحرب ، وإنما معالجة مجموعة جرائم تدل على أنها حرب إبادة ، وليس مجرد وقف الحرب؛ حيث أن النص بوقف الحرب دون معالجة متعلقاتها الإبادية بتفاصيلها لا يعني الشيء الكثير ، فيما معالجة متعلقاتها تقتضي حكما وقف الحرب العدوانية من جانب إسرائيل ، ولا يلزم المقاومة فلسطينية بالتوقف باعتبارها مقاومة مشروعة، وفي حال النص على وقف الحرب فحسب ، فإن هذا يعني وقف المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال، واكتفى القرار بمطالبة المقاومة الفلسطينية بإطلاق سراح الأسرى ـ المختطفين دون تحديد تفاصيل ، علما أن إعادة الأسرى يستوجب أيضا وقف حرب الإبادة الجماعية ، وإلا موضوعياً يستحيل إعادتهم . كما أن اتخاذ قرار بوقف الحرب، لا يخص المحكمة وإنما أطرافاً خارجية .
ونص القرار على مجموعة ترتيبات تعني ليس فقط محاسبة الكيان الإسرائيلي على جرائمه وإنما أيضاً من يقدمون له الدعم (وهم بخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا )
( وفي هذه الجزئية لاحظ مراقبون وسياسيون ومحللون كثر أن محكمة العدل ذاتها طالبت روسيا لدى نظرها في عمليتها العسكرية على أوكرانيا بوقف الحرب ، لكنها ( أي المحكمة ) لم تأخذ بعين الاعتبار أن روسيا خاضت حرباً دفاعية عن مواطنيها الروس في أقاليم لم تكن تاريخيا ضمن أوكرانيا ، وإنما ضُمت لها في العهد السوفييتي لاعتبارات خاصة به في حينه ، وأنه تم اضطهاد الروس في أعقاب الإنقلاب على رئيس أوكرنيا الشرعي ، وفي أعقاب إستعادة روسيا شبه جزيرة القرم في عملية تصويب نادرة للتاريخ ، وبعدم التزام روسيا بقرار المحكمة ثبت لديها فيما يبدو أن الإلزام بوقف الحرب ، لا يدخل في اختصاصاتها عمليا وإنما يتعلق بدول أخرى ..)
لكن مطالبة المحكمة ؛ إسرائيل بتنفيذ حزمة المستوجبات التي نص عليها القرار، يدخل في اختصاصها كما الحالة الإسرائيلية.
وفي آن فإن تنفيذ حزمة القرارات، يقتضي حكما وقف حرب الإبادة من قبل إسرائيل ومن يحرضون على المزيد من داخلها، ويدعمونها بكل أشكال الدعم من الخارج ، كما أن المطالبة تخص إسرائيل حصراً ؛ حيث أن للمقاومة الفلسطينية حق الدفاع عن النفس باعتباره حقاً مشروعاً بمواجهة المعتدي الإسرائيلي ، الذي لا حق له بالدفاع عن النفس بصفته دولة احتلال ، يتوفر حقه “الدفاعي” بالرحيل ..
ـ كما يلاحظ من خلال حيثيات قرار المحكمة ، أن مفهوم الإبادة لديها ، لم يقتصر على إستخدام الوسائل العسكرية والحرب التقليدية والقتل فحسب ، وإنما أيضا من خلال التجويع والتعطيش والمرض والأوبئة وحرمان الفلسطينيين من غيرها من لزوميات الحياة .
ولذلك فقد طالبت المحكمة ؛ إسرائيل ؛ بتقديم دليل ملموس على إلتزامها بتتنفيذ حزمة ترتيبات خلال شهر وتقديم تقرير بهذا الشأن ، والإلتزام هنا لا يقتصر موضوعياً على إسرائيل وإنما أيضاً على من يقدمون الدعم لها ، وفي المقدمة أمريكا وبريطانيا ، كما تنطبق على من يحرضون لإرتكاب المزيد، من حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ، وعليه فقد طالب القرار أيضا بالحفاظ على الأدلة التي تثبت ممارسة الإبادة الجماعية ، وهو إقرار ضمني من المحكمة بارتكاب اسرائيل إبادة .
ولفت أبو غزاله إلى جملة حيثيات في موقف المحكمة ، منها :
1 ـ إستنادها إلى تقرير أممي صدر عن (الأنوروا) عمّا يجري في غزة من حرب إبادة مشهودة ، الأمر الذي يدحض الرواية الإسرائيلية بعدم إرتكابها.
2 ـ حصر تنفيذ القرار بالمعتدي الإسرائيلي ، بشكل واضح لا يحتمل اللبس .
3 ـ لأول مرة تتخذ محكمة دولية مستقلة، قرارا يحاصر اسرائيل بالتزامات محددة ومن يدعمها ، وسط تعاطف دولي شعبي واسع ضاغط على الحكومات الداعمة لإسرائيل ، بالتالي فإن التهرب من تنفيذ حيثياته لن يمر مرور الكرام .
4 ـ فتح القرار إمكانية إتخاذ قرار أشد من قبل محكمة العدل الدولية، خلال فترة زمنية ليست بعيدة ، ( وأضيف ، من قبل هيئات أممية ودولية أخرى كـ الإتحاد العالمي للسلام والمحكمة الجنائية الدولية وإعادة توصيف الكيان الإسرائيلي لمخالفته للشروط التي قام على أساسها ،سنة 1947 ، ومجلس الوصاية الخ مما أشار إليه أيضا خبير قانوني دولي على قناة الغد) .
5 ـ فضلاً عن كون إسرائيل ككيان محتل لا يمتلك حق الدفاع عن النفس ، فإن هذا الحق ( على فرض إمتلاكه ) لا يبرر بالمطلق إرتكاب حرب إبادة ضد أي شعب ومن ضمنه الشعب الفلسطيني .
6 ـ حاولت إسرائيل جعل الإبادة ذات طابع أممي ،من خلال الانوروا .
7 ـ مطالبة المحكمة بوقف التحريض ضد الشعب الفلسطيني ، جعل منه آمراً أمميا بالتدخل في حال عدم الإلتزام .
8 ـ قرار محكمة العدل غير قابل للإستئناف وملزم لجميع الموقعين على ميثاقها، بإتخاذ الإجراءات الواجب إتخاذها ، وإلا أعتبرت شريكاً في حرب الإبادة لصدورها من محكمة مستقلة عادلة .
9 ـ لن تستطيع أمريكا حماية إسرائيل بالتهرب من هذا القرار .
ودعا أبو غزاله في ختام قرائتة للقرار ، إلى ضرورة إلزام العدو الإسرائيلي بالتعويض عن الأرواح التي أزهقتها حربه الإبادية ، فضلاً عن الجرحى والبنى التحتية والعقارات التي دمرت،وعن الأمراض التي إنتشرت نتيجة حربه العدوانية .
كما دعا أبوغزاله بالتقدم إلى جميع المؤسسات القضائية الدولية طلباً لكل أنواع التعويض خلال سنوات قيام إسرائيل وما إرتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ سنة 1947 .
بقي التنويه بأن المراهنة على محكمة العدل الدولية بأكثر مما قررت ، أو تحرير فلسطين على يديها ، أو إعادة الحق كاملا أو شبه كاملٍ للشعب الفلسطيني والأمة العربية ، فهو ضرب من الخيال والتمنيات الساذجة ، لكنها خطوة حضارية شجاعة ومبدئية؛ بادرت إليها جمهورية جنوب إفريقيا مشكورة ، ينبغي أن تتابع فهناك الكثير على هذا الطريق يستوجب المتابعة.
مع العلم أن النصر الكامل الناجز المظفر، لا بد له من تضحيات ، ولا بد أن أمتنا أضحت تعيش اللحظة التاريخية المناسبة للتحرر ، وعلينا عدم إضاعتها ، بل أضحى لزاماً على الأمم والشعوب المضطهدة المستغلة المغلومة على أمورها ، أن تعي أنها لحظة تاريخية للتحرر من وحدانية القطبية ومؤسسات رأس المال العالمية ( البنك والصندوق الدوليين ) وإقامة نظام عالمي جديد أكثر عدلاً وأمناً وإستقراراً، خال من الصهيونية والإمبريالية والإرهاب والتكفير والتخلف.



