استراتيجية الطاقة وصندوق النقد الدولي

عاد صندوق النقد الدولي في مراجعاته الاخيرة الجدل الى فاتورة الكهرباء، فهل سيتم رفع التعرفة الحكومية لفاتورة الكهرباء؟ سؤال عاد ليطرح عبر وسائل الاعلام الاردنية الا انه يغفل حقيقة النقاشات التي ادارها صندوق النقد في الاردن؛ اذ طالب بإعادة النظر في تكلفة فاتورة الطاقة كمدخل في المنشآت التجارية فهذا مطلب حمال اوجه؛ فهناك تلميح بضرورة خفض الفاتورة من خلال الاستعانة بمصادر طاقة بديلة.
النقاش الدائر في وسائل الاعلام غامض وينقصه الشفافية خصوصا ان رفع الدعم عن الخبز اتبعه مسؤولون في صندوق النقد بتصريحات تنفي مطالبتهم برفعه؛ ما اثار زوبعة سرعان ما تبددت في الساحة الاردنية وطغى عليها آلية الدعم الجديدة التي اشغلت البلاد والعباد؛ ليبقى عنصر الغموض ونقص الشفافية حول حقيقة النقاشات والحوارات التي اجرتها الحكومات المتعاقبة والحالية محط تساؤل حول المسار المتبع في التعاطي مع مخرجات الحوار مع الصندوق وحقيقة مطالبه ونوعيتها بالتحديد.
تزداد الامور غموضا بزوبعة عابرة تحدثت عن امكانية الغاء التقاعد المبكر؛ لتنفي الحكومة ذلك بداية، فلا نية لذلك؛ وان المسألة غير مطروحة؛ ثم ليخرج مسؤول حكومي بالقول: بأن الحكومة ترفض مطالبة الصندوق الدولي بوقف العمل بحق التقاعد المبكر.. لنجد انفسنا امام عملية مساومة تقليدية تحاول الحكومة من خلالها طرح خيارات على الجمهور بهدف المساومة على الارجح؛ لا نعرف مبرراتها وخلفياتها الحقيقية؛ وهو انطباع يتولد لدى المراقب بعد كل زوبعة صغرت ام كبرت.
لم يقتصر الغموض على هذا الجانب اذ تناقلت وسائل الاعلام المحلية انخفاض مخزونات الاردن من المياه الجوفية يتبعها حديث عن مطالبة صندوق النقد برفع فاتورة المياه، وهي معلومات ينقصها التوثيق كما ينقصها الشفافية والدقة في التعامل والمعالجة، فأي منها حقيقة واي منها مناورات حكومية ورغبات حكومية لا صلة لها بحواراتها ومراجعاتها مع صندوق النقد؛ فالحابل مختلط بالنابل.
تعد هذه المرافعة مقدمة مناسبة لمناقشة استراتيجية الطاقة التي ينقصها ايضا الشفافية؛ فمطالب صندوق النقد بتغير كلف الطاقة على المنشآت الصناعية من الممكن ان تعني ضرورة خفض الكلف لا رفعها من خلال مدخل الطاقة البديلة والتوسع في انتاجها؛ علما بأن الحكومة وعلى لسان وزيرة الطاقة زواتي اعلنت وقف العقود لستة اشهر ثم تراجعت جزئيا عن القرار باستثناء بعض المجالات؛ وعلما بأن قطاع الطاقة المتجددة وخصوصا الشمسية الاسرع نموا في الاردن؛ فالتقديرات في النصف الثاني من العام 2018 اشارت الى ان المملكة تعتمد بمقدار 7% على الطاقة المتجددة لترتفع النسبة مع بداية العام 2019 الى 10% بحسب آخر التقديرات الحكومية ما يعني ان نسبة النمو بلغت في انتاج الطاقة 3%، وان الشهور الستة التي سيتم وقف قبول العقود ستعني خسارة ما بين 3 و5% من نمو الانتاج الخاص بالطاقة المتجددة وهي خسارة فادحة جدا.
استراتيجية الطاقة محل صياغة وجدل وتغيب عنها الشفافية؛ فانخفاض فاتورة المستوردات من الطاقة سيعني وفرا ماليا يمكن الاستعانة به لسداد فوائد الديون وتخفيض نسب العجز في الميزان التجاري والعجز في الموازنة العامة وبديل مناسب للضرائب التي تفوق 25% من دخل المواطن المنهك؛ حلول منطقية لا تتضمن اي كلف اجتماعية وسياسية داخلية؛ فلماذا يبتعد النقاش عن ضرورة التوسع في تنمية هذ القطاع سريع النمو ليس في الاردن بل والعالم.
ويستمر النقاش؛ اذ انخفض في الاردن نسب التخليص على سيارات الهايبرد لتقترب من نسبة 95% تراجعا، وارتفعت قيمة الجمارك على السيارات الكهربائية الى 35% علما بأن لها دورا مهما في خفض نسب استهلاك الوقود الاحفوري «النفط والغاز» المستورد؛ لتنخفض من 150 الف برميل في اليوم الى 140 الف برميل؛ ثم الان تتحدث الانباء عن 125 الف برميل في اليوم الواحد؛ اما انه نقص بالشفافية او انها معلومات كاذبة.
لماذا ورغم ذلك كله ورغم النمو المتسارع نسير في الاتجاه المعاكس لسير الطبيعة والاقتصاد العالمي؛ فالنمو متسارع على الصعيد الدولي في هذا المجال؛ فعلى سبيل المثال اعلنت روسيا ان نسبة حصتها من سوق النفط تراجعت من 16% العام 1990 الى 12% العام 2018، ورغم الحديث عن قيام امريكا بالاستحواذ على اسواق الطاقة الروسية في بعض الحالات نتيجة خفضها الانتاج بعد اتفاق (اوبك) قبل عام، الا ان التفسير المنطقي لا يقتصر على الولايات المتحدة الامريكية فالفترة الزمنية كبيرة وتعود الى ما قبل الغاء امريكا قانون منع تصدير النفط المعروف بقانون 1976 في العام 2015.
ويتواصل النقاش فالسيارت الكهربائية بدأت بـ100 كم للبطارية المشحونة، ثم اصبحت 150 كم، والان 250 و450 كم، وتطمح الدول المصنعة خلال نهاية العام الوصول الى 700 كم؛ اي اننا امام قفزات هائلة ومذهلة والحال نفسه في مجال الالواح الشمسية فبعص المختصين في المجال يشيرون الى توافر ألواح شمسية طولها يقل عن المتر ويقترب من الـ 40 سم قادرة على تزويد مدرسة بطاقة الانارة؛ علما بأن اللوح الشمسي الحالي بطول مترين وعرض متر ينتج 340 واط في الساعة اي انه قادر على انتاج 3 كيلو في اليوم في ايام الصيف وما يعادل 90 كيلو واط في الشهر، وتأخر توطين هذه التكنولوجيا وتصنيعها السبب الرئيس في ارتفاع كلف الالواح الشمسية وتأخر تنامي استخدامها في المملكة.
نمو مذهل واتجاه معاكس في الاردن ومتباطئ ومتثاقل يثير التساؤل حول سياسة الطاقة والاستراتيجية المستقبلية في الاردن وحقيقة النقاشات مع صندوق النقد؛ والاتفاقات المتعلقة بالطاقة ومن ضمنها استيراد الغاز من الكيان؛ فالاردن قادر على خفض فاتورة الطاقة وفي مدة قياسية في حال انصبت جهوده على الطاقة البديلة ونموها الآخذ في التسارع بقفزات كبيرة من الممكن إن تأخرنا عنها ان نصبح في ذيل الركب منشغلين بجيوب المواطنين المساكين واستراتيجة ثقبها.
نعم هنالك سلسلة طويلة من لحظة الاستيراد الى لحظة وصول المنتج الى المستهلك فيما يتعلق بالطاقة الاحفورية البترول؛ وتتضمن هذه السلسلة ضرائب تقع على سلم الهرم الغذائي (الضرائبي) للطاقة؛ وتتخللها شبكة واسعة من المنتجين والموزعين والنقل الراغبين بتحقيق الارباح قبل ان تصل الى المستهلك النهائي؛ سلسلة لا تعادل الفوائد المترتبة على تسريع عملية النمو في مجال الطاقة المتجددة في الاردن ما يدفعنا الى طرح موضوع الشفافية وحسن الادارة على سلم اولويات النقاش؛ فهل تبحث الحكومة عن مصادر جديدة للضرائب؟ هل تبحث عن وسيلة للتكيف المالي مع متغير سيفرض نفسه عاجلا ام اجلا كما فرض الانترنت والكمبيوتر نفسه؛ وكما فرضت الفضائيات ووسائل الاعلام الحديثة نفسها في النهاية اما انها عاجزة عن الخروج من صندوق الطاقة الاحفورية وسلسلتها الغذائية الضرائبية المتوحشة والنهمة؟!
لا يمكن التأخر عن حركة العالم المتغير من حولنا فإما ان نكون في لبها او ان نبقى مجرد دولة مدينة تعاني من العجز وتبحث عن مصدر جديد للضرائب بحجة تسمى صندوق النقد؛ فهو حجة قوية الان تستعمل في كل المناسبات الافراح
منها والاتراح.



