اسميك يخشى على السوريين من إنتاج ثقافة الخوف بلغة العصر الرقمي
يرى رائد الاعمال المفكر العربي حسن إسميك أن الصراع السوري، بكل تعقيداته، لم يقتصر على ساحات الحرب المادية، بل امتد ليشمل معركة فكرية وثقافية تدور رحاها على منصات التواصل الاجتماعي.
فبعد أكثر من 13 عام على الحرب الأهلية وأكثر من 60 يوما على سقوط النظام، تحولت هذه المنصات إلى ساحة جديدة يُمارَس فيها نوعٌ خطير من الإرهاب الفكري، يتمثل في محاولات منهجية من مؤيدي النظام الجديد لإسكات كل صوتٍ معارض، بغض النظر عن طابعه العقلاني أو أهدافه الوطنية، ويعتقد أن هذه الظاهرة لا تُكرس غياب الحريات فحسب، بل تكشف عن كارثةٍ أكبر: تحوُّل القمع من ممارسة سلطوية إلى سلوكٍ مجتمعي قد يكون أشد فتكاً بمستقبل سوريا من العهد الماضي نفسه.
ويقول إن ما يُمارَس اليوم تحت شعار الدفاع عن النظام ليس سوى استنساخٍ لآليات القمع القديمة بوجهٍ جديد، ففي السابق، كانت الأجهزة الأمنية تلاحق المعارضين في الواقع المادي، أما اليوم، فقد تحولت المنصات الرقمية إلى سجونٍ مفتوحة، حيث يُحاكَم كل من يجرؤ على انتقاد السياسات الرسمية أو حتى طرح تساؤلات محايدة.
واللافت أن مُنظّري هذا “الإرهاب الفكري” لا يختلفون عن النظام السابق في أساليبهم؛ فبدلاً من الحوار، يلجؤون إلى التشويه، التهديد، وحتى الاختراق الإلكتروني، ليعيدوا إنتاج ثقافة الخوف بلغة العصر الرقمي.
وينتقد إسميك بشدة تلك الثنائية الزائفة التي يروّج لها مؤيدو النظام، حيث يُختزل السوريون بين “مؤيد وطني” و”خائن عميل”، ويقول إنه تحت هذه الثنائية، يتم إقصاء عشرات الأكاديميين والنشطاء الذين يرفضون الانحياز لطرف دون آخر، ويصرّون على نقد المرحلة برمتها دون إعطاء شيك على بياض لاي جهة.
ورغم رفعهم شعارات مثل “لا للتدمير.. لا للتطرف.. نعم لسوريا مدنية”، يتعرضون لهجمات شرسة تُتهمهم بـ”الانهزامية” أو “التبعية لأجندات خارجية”، فكيف أصبح النقد جريمة، بينما يُقدّس الولاء الأعمى؟
ويؤكد إسميك أن استمرار هذه الحالة يعني أن السوريين، رغم التضحيات، لم يدركوا بعد أن حرية التعبير هي الشرط الأول لأي نهضة، فمنذ 5 عقود، مارست السلطة وصايةً على العقول باسم “حماية الوطن”، واليوم، يبدو أن شريحة واسعة من المجتمع تبنت هذه الوصاية بإرادتها، وكأن الأزمة لم تعلّمهم سوى كيفية تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية! وصحيح أن السطات الجديدة تسيطر على السواد الأعظم من الجغرافيا السورية، لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع وطناً، فالوطن الحقيقي يُبنى بالمواطنين الأحرار، القادرين على مساءلة السلطة دون خوف، وعلى محاسبة أنفسهم قبل محاسبة الآخرين.
ويعتقد إسميك أنه إذا كان القمع الرسمي قد قاد إلى الانفجار الاجتماعي، فإن القمع الشعبي الحالي يهدد بإغلاق كل الأبواب، وإبقاء السوريين في نفقٍ مظلم من التمزق الذاتي، والحقيقة المُرّة برأيه هي أن جزءاً من المجتمع السوري، بدافع الصدمة التي خلّفتها الحرب أو بدافع الانتقام من سنوات الخوف التي خلقها النظام المخلوع، بات يقدّس الأمن على حساب الحرية، والاستقرار على حساب العدالة، والولاء على حساب النقد، لكن هذا الاختيار، رغم منطقيته الظاهرية، هو انتحارٌ بطيء، فالأوطان لا تُبنى بالعسكرتارية الفكرية، بل بالتعددية التي تحترم المختلف، حتى لو كان ناقداً لاذعاً.
ويؤمن إسميك بحاجة السوريين في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة إلى مراجعة جريئة لأساليبهم في التعامل مع الخلاف، فالشعب الذي عاش تحت نير القمع لعقود، ثم عانى من الانقسام في ظل الحرب، لا ينبغي أن يحوّل منصات التواصل بعد تبدل الأوضاع إلى محاكم تفتيش.
التاريخ لا يرحم من يخافون الحقيقة، فإما أن يتعلم السوريون فن الاختلاف، أو يُعلنوا رسمياً وفاة الوطن!



