ما بعد ستارمر.. 5 سيناريوهات ترسم مستقبل بريطانيا

دخلت بريطانيا، مرحلة سياسية جديدة بعد إعلان كير ستارمر تنحيه عن زعامة حزب العمال، ما فتح الباب أمام سباق على قيادة الحزب والحكومة.
وبحكم النظام السياسي البريطاني، لا تعني استقالة ستارمر إجراء انتخابات عامة جديدة، إذ يستطيع خليفته تولي رئاسة الوزراء مباشرة مستفيداً من الأغلبية البرلمانية التي يمتلكها حزب العمال.
لكن الانتقال السلس للسلطة لا يلغي حجم التحديات التي تواجه الزعيم المقبل؛ فالحزب الحاكم يواجه تراجعاً في شعبيته، بينما يواصل حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج تقدمه في استطلاعات الرأي، وفق مجلة نيوزويك الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تعاني البلاد ضغوطاً اقتصادية متزايدة، فيما تتطلب السياسة الخارجية موازنة دقيقة بين تحسين العلاقات مع أوروبا والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
ويبرز آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى، بوصفه المرشح الأوفر حظاً لخلافة ستارمر. ويتمتع بشعبية أكبر وخطاب سياسي أقرب إلى الطبقة العاملة، إلا أن وصوله إلى داونينغ ستريت لن يغير حقيقة أن أجندة السياسة البريطانية باتت تتأثر بصورة متزايدة بقضايا الهجرة والحدود والسيادة الوطنية التي يطرحها حزب الإصلاح.
وهذه أبرز سيناريوهات خلافة ستارمر:
1 – حكومة إصلاحية
الاحتمالية: منخفضة
رغم أن هذا السيناريو لا يزال بعيداً، لكنه لم يعد مستحيلاً، إذ يتطلب وصول حزب الإصلاح إلى السلطة إجراء انتخابات مبكرة، في حال قرر برينهام ذلك للحصول على تفويض شعبي جديد، ينجح خلالها الإصلاح في تحويل تقدمه الشعبي إلى أغلبية برلمانية أو إلى تحالف يسمح له بتشكيل الحكومة.
وفي حال تحقق ذلك، ستشهد بريطانيا تحولاً واضحاً نحو سياسات أكثر تشدداً في ملفات الهجرة واللجوء والحدود، مع تراجع فرص التقارب مع الاتحاد الأوروبي وإعادة النظر في بعض سياسات المناخ والطاقة.

ورغم احتمال تحسن العلاقات السياسية مع إدارة ترامب، ستظل الضغوط الأمريكية المتعلقة بالدفاع والإنفاق العسكري قائمة. لذلك يظل هذا السيناريو ممكناً، لكنه ليس الأكثر ترجيحاً.
2 – برلمان معلق يقوده الإصلاحيون
الاحتمالية: منخفضة إلى متوسطة
يقوم هذا السيناريو على افتراض أن الزعيم الجديد للعمال يسعى للحصول على تفويض شعبي جديد أو أن تؤدي الانقسامات الداخلية إلى انتخابات مبكرة.
ورغم أن الأغلبية البرلمانية الحالية تجعل هذا الخيار غير مرجح، فإن التحولات السياسية قد تدفع بعض القيادات إلى المخاطرة.
وفي هذه الحالة، قد يصبح حزب الإصلاح الكتلة الأكبر في مجلس العموم من دون أن يحصل على أغلبية مطلقة، ما يفرض مرحلة من المفاوضات والتحالفات السياسية المعقدة.
غير أن طبيعة النظام الانتخابي البريطاني تجعل النتائج شديدة الحساسية لتوزيع الأصوات والتحالفات المحلية، ما يبقي هذا السيناريو وارداً لكنه غير مضمون.
3 – الاقتصاد ينقلب ضد بيرنهام
الاحتمالية: متوسطة
قد لا تأتي أكبر التحديات من المعارضة السياسية، بل من الاقتصاد نفسه. فالحكومة المقبلة ستواجه ضغوطاً ناجمة عن ارتفاع الدين العام وتباطؤ النمو واستمرار المطالب بزيادة الإنفاق على الصحة والإسكان والدفاع والخدمات العامة.
وسيكون على بيرنهام تحقيق توازن صعب بين المحافظة على الانضباط المالي والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتزايدة، خصوصاً في ظل الضغوط الدولية لرفع الإنفاق الدفاعي.
وأي إخفاق في إدارة هذه المعادلة قد يؤدي إلى تراجع سريع في شعبيته ويفتح الباب أمام أزمة سياسية داخلية.
4 – بقاء بيرنهام.. مع سطوة الإصلاح
الاحتمالية: عالية
يُعد هذا السيناريو من أكثر الاحتمالات واقعية. فبيرنهام قد ينجح في الحفاظ على السلطة، لكنه سيجد نفسه مضطراً للتحرك ضمن أجندة سياسية يفرضها خصومه.
فالنجاحات التي حققها حزب الإصلاح في الانتخابات المحلية عكست تحولات حقيقية في المزاج الشعبي، خصوصاً بشأن الهجرة وأمن الحدود والهوية الوطنية.
ومن المرجح أن يدفع ذلك حكومة العمال إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في بعض الملفات الحساسة سعياً لاستعادة الناخبين الذين يتجهون نحو فاراج.
وفي هذه الحالة يبقى العمال في الحكم، لكن حزب الإصلاح يصبح القوة الأكثر تأثيراً في تحديد أولويات النقاش السياسي الوطني.
5 – بقاء بيرنهام واستقرار حزب العمال
الاحتمالية: عالية
يمثل هذا السيناريو المسار الأكثر ترجيحاً خلال العام المقبل. فبيرنهام يتولى رئاسة الحكومة من دون انتخابات مبكرة، ويعمل على استعادة الثقة بالحزب وتخفيف حدة التراجع الشعبي مستفيداً من حضوره السياسي وشعبيته الشخصية.
لكن النجاح هنا لا يعني تحقيق تحول جذري، بل منع المزيد من التراجع. وستسعى الحكومة إلى تحسين العلاقات العملية مع الاتحاد الأوروبي دون العودة إلى عضويته، مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.
ورغم استمرار صعود حزب الإصلاح، فإن العمال سيحتفظون بقدرتهم على إدارة المشهد السياسي في المدى القريب، ما يجعل الاستقرار النسبي النتيجة الأقرب للتحقق، وفق التقرير.
كيف ستبدو بريطانيا بعد عام؟
بحلول منتصف عام 2027، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو وجود آندي بيرنهام في داونينغ ستريت على رأس حكومة عمالية ما زالت تتمتع بأغلبيتها البرلمانية، مع استمرار التقارب المحدود مع أوروبا والحفاظ على علاقة عملية مع واشنطن. وفي المقابل، سيواصل حزب الإصلاح تعزيز نفوذه الشعبي وفرض حضوره على النقاش السياسي.
لن تعود بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولن تدخل في قطيعة مع الولايات المتحدة، كما أنها لن تشهد أزمة دستورية شاملة. لكن النظام الحزبي التقليدي سيبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى؛ فالعمال ما زالوا يمتلكون السلطة البرلمانية، بينما يمتلك حزب الإصلاح الزخم السياسي والشعبي.
وفي المحصلة، لا تعني استقالة ستارمر أن نايجل فاراج سيصل إلى داونينغ ستريت غداً، لكنها تؤكد أن وصول حزب الإصلاح إلى الحكم لم يعد مجرد فرضية بعيدة، بل احتمالاً واقعياً بات يشكل أحد أهم ملامح المشهد السياسي البريطاني في السنوات المقبلة.



