الدكتور فاضل الزعبي… حين تتحدث الخبرة بلغة الأمن الغذائي

ليس كل من يتحدث عن الأمن الغذائي يدرك ما وراء هذا المصطلح من حسابات معقدة ومخاطر صامتة وقرارات قد تتحدد بنتائجها قدرة وطن بأكمله على الصمود. وهناك فرق كبير بين من يقرأ الأرقام في التقارير، ومن يعرف كيف تتحول هذه الأرقام إلى واقع يمس حياة الناس ومستقبل الأجيال. الدكتور فاضل الزعبي ينتمي إلى الفئة الثانية.
ما يستوقفني في حديث الدكتور الزعبي أنه لا يطمئن إلى مجرد امتلاء الأسواق بالسلع، ولا يعتبر وفرة الغذاء اليوم ضمانة لتوافره غدا. إنه ينظر إلى ما وراء المشهد؛ إلى مصدر الغذاء، واستدامة إنتاجه، وأمن سلاسل توريده، وكلفة الحصول عليه، وما قد يحدث عندما تتعطل إحدى حلقات هذه المنظومة.
وهذه ليست قراءة نظرية بعيدة عن الواقع، بل خلاصة تجربة مهنية امتدت لأكثر من ثمانية وعشرين عاما، شملت العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والاطلاع على تجارب دول واجهت تحديات غذائية وتنموية معقدة. وهي خبرة تمنح صاحبها القدرة على الربط بين ما يحدث في العالم وما ينبغي الاستعداد له في الأردن.
وحين يتناول الدكتور الزعبي قضايا الإنتاج الزراعي والمخزون الاستراتيجي وحماية المنتج المحلي وإدارة الموارد المائية، فإنه يضع أمامنا أسئلة أكبر من تفاصيل كل قضية: إلى أي مدى نملك القدرة على حماية أمننا الغذائي؟ وهل نخطط للمخاطر قبل وقوعها؟ وهل تتكامل قراراتنا الاقتصادية والزراعية والتجارية بما يخدم مصلحة الوطن على المدى البعيد؟
قد نتفق مع بعض آرائه ونختلف مع بعضها الآخر، لكن من الصعب تجاهل القيمة التي تضيفها خبرة بهذا العمق إلى النقاش الوطني. فالأفكار الجادة لا تقاس بمدى اتفاقنا معها، وإنما بقدرتها على فتح الأسئلة الصحيحة وتقديم بدائل تستحق الدراسة.
ولعل ما يحتاجه الأردن اليوم هو أن تتحول العلاقة مع خبرائه من الاحتفاء بسيرهم المهنية إلى الاستفادة الفعلية من معرفتهم. فلدينا كفاءات أردنية اكتسبت خبرات دولية واسعة، لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح هو: كم من هذه الخبرات يجد طريقه إلى طاولات التخطيط وصناعة القرار؟
وفي هذا السياق، أرى أن الدكتور فاضل الزعبي من الأسماء التي تستحق أن تلتفت إليها مؤسسات الدولة المعنية بالأمن الغذائي، وأن تصغي إلى ما يطرحه بعناية. ليس بحثا له عن منصب، ولا من باب التكريم الشخصي، بل لأن القضايا التي يتحدث عنها تمس مصلحة وطنية تستدعي توظيف كل معرفة متاحة وكل تجربة يمكن أن تضيف إلى قدرتنا على الاستعداد للمستقبل.
فالأمن الغذائي لا يبدأ عندما ينقص القمح، أو ترتفع الأسعار، أو تتعطل طرق الإمداد. إنه يبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما نحسن قراءة المؤشرات، ونحمي قدرتنا الإنتاجية، وندير مواردنا بحكمة، ونبني سياسات تستبق الأزمات.
وما أحوجنا إلى أن نسمع من يمتلكون الخبرة قبل أن تضطرنا الأزمات إلى البحث عن إجاباتهم.
الدكتور فاضل الزعبي ليس مجرد اسم في قائمة الخبراء الأردنيين، بل صاحب تجربة تستحق أن تناقش أفكارها بجدية، وأن تستثمر معرفتها حيث يمكن أن تصنع فرقا.
فالأوطان لا تفتقر دائما إلى العقول القادرة على تقديم الحلول، لكنها قد تخسر الكثير حين لا تمنح هذه العقول ما تستحقه من إصغاء



