معنى الاستقرار

صورت وسائل إعلام محلية ودولية “حادثة مجمع جبر” الأخيرة وتداعياتها وكأنها حرب أهلية تعم الأردن، لا بل لم تتورع وسيلة إعلام عالمية محترمة عن وصف ما حدث وكأنه حرب عشائرية محتدمة في مبالغات غير واقعية لحادثة أمنية رفضها المجتمع واستهجنها الجميع، وتم احتواء تداعياتها اجتماعيا وأمنيا.
يذكرني سلوك الإعلام في هذه القضية بقصة صغيرة، فقبل عامين زارت مجموعة من طلبة معهد الإعلام الأردني النرويج في رحلة علمية، وأثناء وقوف الطلبة على حافة النهر سقطت نظارة أحدهم، وما كان من الطالب إلا أن قفز الى النهر وأنقذ نظارته. الى هنا القصة عادية، إلى أن صدرت الصحف في اليوم التالي وفيها خبر مغامرة الطالب الأردني. حينما سأل الطلبة باستغراب لماذا هذا الاهتمام بقصة بسيطة قيل إن بلدا مستقرا يندر أن يشهد أحداثا عاصفة ستكون قصة من هذا النوع مثيرة، فالقيمة الإخبارية ليست في الحدث بحد ذاته بل أين وقع!
صحيح أن ثمة مبالغات هائلة في تصوير حادث أمني محلي بهذه الصورة، ولكن مجموع ما يحدث من حوادث أمنية وغير أمنية في الأشهر الأخيرة يستدعي الحاجة إلى إعادة التفكير في معنى الاستقرار في بلادنا، وفي قدرة المؤسسات على الاستجابة المهنية لهذه التطورات، فالمشكلة أحيانا ليست في الحوادث؛ فهذا مجتمع كبر فجأة وتضاعفت أعداده في حالة يندر حدوثها، وتعقدت فيه العلاقات وبات ينتج ظواهر جديدة غير مألوفة وسط ظروف اقتصادية صعبة وتفاوت هائل في امتلاك الموارد وتفاوت هائل أيضا في القرب أو البعد عن السلطة ومصادر القوة وكل هذا متوقع، ولكن المشكلة الحقيقية في التعامل مع هذه الظواهر وسرعة الاستجابة لها.
وجد القانون في الأصل وعبر التاريخ وفي كل المجتمعات من أجل حماية حقوق البشر؛ وصلب مسألة الحقوق كرامات الناس. ووجد القانون لحل الخلافات ومنع اختطاف القوة التي يفترض أن تحتكرها الدولة؛ أي صيانة الكرامة من جور التعسف بالقوة، ووجد القانون أيضا لإقامة العدل ليس في حل النزاعات وحسب. بل نجد في الدولة التي تصون القانون وتبني مؤسساتها عليه وتنشئ نخبها على احترامه تعمل آلة الدولة من تلقاء نفسها في حماية حق الناس في الوصول الى فرص عادلة ومنصفة في التنمية والخدمات والعمل، ما يعني جوهر الكرامة الإنسانية.
الدولة بكل مؤسساتها وإمكانياتها ورجالها ونسائها، بحاجة اليوم لإعادة التفكير بمعنى الاستقرار، وإنهم هم؛ أي الطبقة السياسية وقبل الأمنية وقبل المجتمع، المعنيون بصيانة الاستقرار وبالتحديد بمعنييه المحلي والاجتماعي.
ثمة ثلاثة أنماط من الثقافات السياسية الفرعية نمت خلال عقد مضى وسط هذه الطبقة جميعها تعد معاول لهدم الاستقرار؛ الأول: ثقافة التستر؛ أي رفض البوح وإنكار الوقائع وتجاوزها حتى نصل الى لحظة الحقيقة وتقع الفأس بالرأس. وثانيا: ثقافة الهروب والصمت، فقد لاحظنا كيف تتوارى هذه الطبقة في الوقت الذي يجب أن تقول ويجب أن تحضر ما يفتح المجال للإشاعات ولوسائل الإعلام الرديئة لملء الفراغ بروايتها. وثالثا: ثقافة الشللية السياسية التي قفزت على حساب المؤسسات، وفي كل من هذه الأنماط يمكن أن يقال الكثير.
إدارة الاستقرار والاستمرار تحتاج كل عقد إلى مراجعة شاملة وجريئة بعيدا عن الترقيع واختلاق المبررات والأعذار. الناس في بلادنا ينتظرون هذه الأيام حدثا كبيرا، أو كلاما جديدا، لكن لا أحد يعرف ما هو، وبأي اتجاه وكيف، ولكنهم يعرفون مصدره وفاعله.



