من هنا وهناك

هل سيصبح من كان محارباً وهو في التّاسعة من عمره رئيس وزراء العراق؟

عين الاردن. عن النهار

رائد الاعمال المفكر حسن اسميك..

في محافظة ميسان الواقعة جنوب شرق العراق، وعلى مقربة من الحدود مع إيران، كان صبياً صغيراً لم يتجاوز العاشرة من عمره قد نشأ على ازدراء نظام صدام حسين، وبخاصة بعدما شهد إعدام والده وخمسة آخرين من أقربائه عام 1980، حيث كانت تهمتهم الانتماء إلى حزب الدعوة، الحزب السياسي الشيعي الذي كان يمارس أنشطته سرياً مثله كمثل أحزاب كثيرة في منطقتنا التي يحرم على المرء فيها إعلان انتمائه المختلف عن السلطة أو التعبير بحرية عن قناعاته بعيداً من أيديولوجيتها، وإلا فمصيره الموت، وهذا ما شهده محمد السوداني بأم عينه وبقي ماثلاً أمامه حتى جاء العصر الذي شهد فيه العراقيون دخول أميركا إلى العراق وسقوط نظام صدام وتقديم المجرمين للعدالة واسترداد حقوق الضعفاء.

 الفساد، الهوية الوطنية..)» ولأجل ذلك يرى أنه «لا مانع من الجلوس مع السيد الصدر أو أي طرف سياسي ما دام الهدف هو مصلحة العراق والعراقيين.. وليس هناك أي رغبة لإقصاء التيار الصدري من المشاركة في تشكيل الحكومة – إذا رغب – وفق استحقاقه الانتخابي».
وعموماً فالسوداني لا يحتاج شهادتي بل تشهد له مواقفه عندما كان وزيراً يحرص على أن لا يعمل لمصلحة طائفة أو حزب أو كتلة، بل لمصلحة العراق كله، فلم يفرق بين المواطنين، الشيعي والسني والكردي والأيزيدي، لا في حقوقهم ولا في واجباتهم، ولا في تمييز الوطنية بينهم ومنحها لمكوّن دون آخر. وهذا ما اختصره الرجل في الحوار حين قال بكل وضوح: «أتمنى ألا يجرني أحد نحو تبعية كتلة أو حزب أو شخص، أنا معروف بموقفي السياسي. سبق أن قررت الاستقالة من حزب الدعوة تنظيم العراق 2019.. ودخلت هذه الانتخابات بكيان سياسي جديد.. وبالتالي استقلاليتي معروفة.. لدي رؤية وبرنامج وفريق عمل وأهداف واضحة أريد تنفيذها، ولا يمكن تنفيذها دون وجود القوى السياسية الوطنية».
وأنا أتمنى من جهتي أن يدرك العراقيون أنّ خسارة رئاسة مجلس الوزراء العراقي للسوداني هي خسارة للعراق كله وضياع لفرصة إنهاء الجمود السياسي الذي طال أمده، ورغم أننا كعرب قد اعتدنا تاريخياً على خسارة الكفاءات وتضييع الفرص في تسليم المسؤوليات لأهلها ومستحقيها، وغالباً ما يحدث ذلك نتيجة تفشي الأنانية المدعومة بمشاعر الضغينة ودوافع المصالح الشخصية الضيقة، إلا أن الأمل يحدوني بأن يغير العراق هذا التاريخ ويوقف الاستنزاف الذي يتسبب به إقصاء الكفوئين بعيداً من مواقع المسؤولية العامة.
أود القول أيضاً إن السوداني سياسي عراقي عتيد، وقد لمست منذ البداية في الحديث تلك الروح البدوية الأصيلة المنشأ فيه، والزاخرة بالقيم والأخلاق، فهو معتدل في مواقفه، منفتح غير متزمت، وضليع في الشأنين السياسي والاجتماعي في البلاد، ناهيك عن علاقاته الإيجابية مع معظم الكتل السياسية، وقدرته على بناء علاقات على المستوى ذاته من الإيجابية مع الدول المجاورة لبلاده أو حتى تلك البعيدة منها، لما فيه مصلحة العراق والعراقيين.
وقد تلمست ما يحظى به السوداني من قبول عام حتى بين منافسيه وخصومه، وقد كشف لي أحد الأصدقاء البارزين في التيار الصدري أنه لا مشكلة حول السوداني بالنسبة للسيد الصدر، بل إنه يزكي فيه نزاهته وإخلاصه لدينه ووطنه، لكن الاعتراض الصدري يتعلق بالطريقة التي وصل السوداني من خلالها للترشح لرئاسة الوزراء، وإني آمل من جهتي أن يتجاوز السيد الصدر هذه التحفظات العابرة، ولتكن الأيام هي الحكم على قدرات الرجل وإمكاناته، خاصة أن نجاحاته المتكررة في الانتخابات النيابية العراقية، أو في المناصب التنفيذية التي تولاها، وزارية كانت أم غير وزارية، قد دلّت إلى ما لديه من مهارة عالية في الإدارة والإنجاز، وإلى كسب القبول والاحترام من الشعب، وقد آن الأوان ليحصل على فرصة دون أن يحكم عليه أحدٌ بالفشل مسبقاً، عسى أن يستطيع هذا المهندس “هندسة” أوضاع وطنه، والانتقال به، بحسب ما يطمح العراقيون وكل من يحب العراق ويتمنى له الخير، إلى المكانة التي تستحقها هذه البلاد، والتي تليق بتاريخها وحضارتها وأهلها الطيبين..
أخيراً.. وفيما ليس لدي أي مصلحة في من سيصبح رئيس وزراء العراق المقبل، فإنني على ثقة تامة بأن في الوقوف إلى جانب هذا الرجل ودعمه تحقيقاً للمصلحة التي نريدها جميعنا لأجل العراق وشعبه، وإذا ما تقلّد الرئاسة فإني أرجو له من الله التوفيق والسداد، فالرجل الذي كان يوماً ما صبياً حزيناً لمقتل والده وأقاربه، ما زال حزيناً وقلقاً على بلاده وعلى كل من يتهدده الموت والعنف فيها لأنه يعبر عن رأيه. فالسوداني وغيره من الشرفاء الذين ذاقوا مرارة الظلم لن يأتوا لينتقموا لمظلمتهم، بل ليرفعوا المظلمة عن الجميع بعدما اختبروا شدة وقعها في نفوس العراقيين.
من واجبي أن أقول هذا لأبناء الرافدين، وقد حان الوقت لكي يستعيد العراق المكانة التي يستحقها، لا بالأماني فحسب، بل بإخلاص أبنائه الشرفاء وحرصهم وتضحياتهم، ممن أدعو الله أن يختار الشعب منهم رئيس الحكومة وبقية الوزراء والمسؤولين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى