هل نحن بحاجة إلى “أكاديمية لتدريب المعلّمين” و”مدرستي”

حسان القاسم
قبل البدء في مسألة ما إذا كنا بحاجة إلى إصلاح سياسات المعلمين وبيئة تعليمية تمكينية وداعمة لتعزيز النتائج التعليمية، اسمحوا لي أن أشارك قصتي الشخصية مع التعليم
خريف عام 1982 اصطحبني والدي إلى مدرستي الابتدائية الأولى مدرسة، أبو أيوب الأنصاري في الزرقاء، كنت متحمسًا ومتوترًا في الوقت ذاته، كنت انتظر التعرف إلى أصدقاء جدد وأنشطة ترفيهية وتعلم أشياء جديدة كان قد مناني بها أبي -رحمه الله- أن أجدها في المدرسة، لكن الواقع الذي واجهته كان مختلفًا، بل ومرعبا لطفل يخطو منفردا لأول مرة خارج حدود الحماية المنزلية، كان فصلي مكتظًا ومتهالكا، والموارد شحيحة، والمعلمة عصبية جدا، ودورة المياه مفزعة، بينما بدت الباحة المدرسية وكأنها ساحة معركة شرسة أكثر من كونها مكانًا للتعلم والنمو.
كافحت على مقدار طاقتي من أجل مواكبة الدروس لكنني في الحقيقة فقدت أي شغف للدراسة أو للمدرسة إذ كان التركيز على الحفظ أكثر، وكانت الواجبات المنزلية شاقة، وكثيرًا ما شعرت بالضياع. بعدها، انتقلت إلى مدرسة أخرى بعد الصف الثالث وكان الحال أفضل قليلا من حيث الالتزام، بينما كانت المرافق شبيهة بمدرستي الأولى، وهكذا حتى أنهيت المرحلة الثانوية.
وفي تأملي للفوارق الكبيرة بين سنوات دراستي وتلك الخاصة بأطفالي، يتجلى التباين بوضوح، فغالب جيلنا كان يذهب إلى المدرسة مثقلاً بالبيئة التي غالباً ما كانت تخنق حماسنا للتعلم، لكن على النقيض من ذلك، جيل اليوم ومنهم أطفالي يسيرون إلى المدرسة بابتسامات على وجوههم، متحمسين وراغبين في التعلم.
اليوم، تتفاخر المدارس بمرافق حديثة ووسائل تعليمية عصرية وجو رعاية يشجع على الفضول والنمو، لاسيما أن التزام جلالة الملكة رانيا العبد الله الثابت بالتعليم لم يرفع فقط المعايير، بل ضمن أيضاً أن يتمتع كل طفل بحقه في مستقبل مشرق وواعد.
وبينما نستكشف ما إذا كانت بيئة التعلم التمكينية والداعمة ضرورية لتحسين النتائج التعليمية، فإن قصة الجيلين شهادة على التأثير العميق الذي يمكن أن تحدثه البيئة التعلمية المتمكنة على تعليم وتأسيس الطفل، مع الاختلاف الشديد بين ثقافة طفل قبل 40 عام وثقافة أطفال اليوم المشبعة بالرؤيا الواسعة.
وأذكر أنه قبل 20 عام دعيت للمشاركة في تقديم دورة مهارات النجاح لطلبة المدارس ضمن مشروع إنجاز لتهيئة الفرص الاقتصادية للشباب الأردني، ومن بعد تابعت برامج مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية، ومبادرة مدرستي، وأكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلّمين، وجائزة الملكة رانيا العبد الله للتميّز التربوي، وحتى منصة إدراك التي تُقدِّم مساقات إلكترونية جماعية مفتوحة المصادر، وجميعها جهد مقدر لمغادرة المناطق الرمادية، واتخاذ مواقف مسؤولة تحمي وتبني المنظومة التعليمية بعناصرها كافة لاسيما ما يتصل بتعليم ومستقبل الأطفال مسؤولية عبر أعداد معلمين بأدوات فعالة ومؤثرة لإحداث التحولات الإيجابية في مجتمعنا.
والحقيقة أن مبادرات الملكة وجهودها الحثيثة أثمرت في العديد من المجالات، لاسيما في توفير البيئة المناسبة للأطفال للحصول على تعليم جيد، وبالنسبة لي ربما يتجلى هذا بشكل خاص في عمل أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين باعتبارها مؤسسة تجسد رؤية جلالة الملكة لتعزيز جودة التعليم في الأردن والمنطقة ككل، خاصة أنها ومنذ إطلاقها رسميًا في يونيو 2009، ركزت على تمكين المعلمين من خلال تزويدهم بالمهارات الأساسية، والاعتراف بدورهم الحاسم، وتقديم الدعم اللازم لمساعدتهم على التفوق في الفصول الدراسية.
وأرى أن التزام الأكاديمية بتطوير برامج التدريب ومبادرات التطوير المهني يلبي الاحتياجات التعليمية وبالتالي تعزيز التميز والجودة التعليمية بما يعكس إيجابا على مجمل النتائج الناجحة في مدراسنا اليوم.



