أقلام وآراء

اكذبوا بصدق

رمزي الغزوي

لن أتكلم عن السقوط المزلزل لنجوم السوشال ميديا حين يجنحون إلى تمثيل مسلسلات أو أفلام أو حلقات ساخرة، وكذلك لن أتكلم عن ما يتقيأه من ترهات وسخافات بعض من يدعي أنه يقدم كوميديا وهي ليست إلا أكثر من تهريج تخلو من أي مضمون أو هدف.

بل سأتكلم عن ملاحظة خفية في أغلب الدارما الرمضانية لهذا العام، وخصوصاً تلك التي تنتهج نهج المسابقات السطحية التي تحاول بسخف أن تستحلب وتستجدي رضا الجمهور وتتسوله، ناسية أنها تستهتر بعقولنا وثقافتنا ومعرفتنا.
يبدو أن كثيرا من هذه المسلسلات لا تنطلق إلا من فكرة قميئة قديمة تتجدد وهي:(الجمهور عاوز كده)، ولهذا فنحن لم نبق في مكاننا، ندور حول أنفسنا، بل انحدرنا فنياً وثقافياً إلى الحضيض بدركاته الدنيا.
في الأدب عموماً وفي الدراما خصوصاً عليك أن تكذب بصدق، أي أن تكون مقنعاً دائماً. فأهم شيء في السينما والرواية والقصة والمسلسل هو عنصر الإقناعية التي هي العمود الفقري للعمل الفني. فعلينا كمشاهدين ألا نشك للحظة واحدة أننا أمام تمثيل وممثلين، وإلا انقطع بنا خيط المتعة. فالدراما الحقيقة علينا ألا نفرقها عن الحقيقة بكل تجلياتها وبساطتها وعدم افتعالها. فإذا ما تسلّل إليك شعور بأن ما تشاهده تمثيل؛ فسيفقد الفن معناه وفحواه ورسالته.
وما زال يثيرني في المسلسلات البدوية الجديدة المكياج الصارخ للممثلات وتسريحات الشعر. فالممثلة التي تصحو من نومها لا ينبغى لها أن تدوزن مكياجها، فهو تمام التمام لا يحتاج ضبطا. وهالتني الأزياء الجديدة النظيفة البراقة، وكأننا في عرض فندقي. وهالني الترف المبالغ فيه في الأثاث والعناية به. فمنذ متى يجلس البدوي على فراش عال. هذه ليس حياة بداوية أبدا. أو أنها تمثل بداوة 5 نجوم. فلم يبق إلا أن تستخدم الممثلة هاتف حديث أو تقود سيارة (تسلا أس) بدلاً من الناقة، مع (بوتكس) طافح ينفخ الشفتين بفجاجة، ويفلطح تفاحة الخدين.
هذه المسلسلات تفتقد إلى البداوة بروحها الحقيقة الناصعة. البداوية لسيت قصة حب ساذجة، بلا أساس وبدون منطقية ودون خط درامي متين. بل ما ندركه أننا أمام ممثلين يممثلون فقط. وهنا انتكاسة فنية لا يجبرها هذا المكياج الجميل اللافت، ولا الشعر المهفهف، ولا نقش حناء اليدين.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بدأ الأردن يعزف على اللون البدوي بقوة. ووجد سوقاً رائجة في دول الخليج وبعض البلاد العربية الأخرى. لكن الكسل والنمطية سيطرت على مخرجينا وممثلينا وشركات إنتاجنا، فظلت حالنا تراوح مكانها. إنه الاستسهال الذي فجر هذا الاسهال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى