الاستمرارية.. حلقة مفقودة في الإدارة الحكومية

محمود خطاطبة
يبدو أن مُصطلح «الاستمرارية» ما يزال غائبًا في المشهد الإداري الحُكومي، لتحل محلها مُعادلة، أصبحت مرئية بكُل سهولة لأي فرد، والتي تتمثل بأن كُل حُكومة تأتي لتمحو ما قررته التي قبلها من قرارات أو إجراءات أو سياسات، مُتناسية، الحُكومات المُتعاقبة، كُلفة مثل هذه المُعادلات المُستمرة التي لا يدفعها سوى موظف القطاع العام والاستقرار المؤسسي للدولة.
مُناسبة هذه الكلمات، أننا نقف اليوم أمام نموذج يُجسد ذلك التناقض الواضح في النهج الإداري، وتحديدًا في ملفين يمسان حياة الآلاف من الموظفين وأُسرهم، الأول هو الإجازة بدون راتب، والثاني التقاعد لكُل من أتم ثلاثين عامًا خدمة.
يُلاحظ أن الملف الأول، يتراوح ما بين تقييد وعكسه، فمثلًا حُكومة سابقة أصدرت قرارًا يقضي بإلغاء نظام الإجازة مفتوحة المُدة لموظفي القطاع العام، أيًا كانت مُسمياتهم أو درجاتهم أو رُتبهم، إذ اشترطت وقتها ألا تزيد مُدة الإجازة بدون راتب على سنة واحدة كحد أقصى، حينها بررت تلك الحُكومة أسباب ذلك بضبط الشاغر الوظيفي، منع سد الوظائف الحكومية بأسماء غائبة عن أرض الواقع تعيش أو تعمل خارج البلاد، ما يُعطل التعيينات الجديدة ويُربك الهياكل التنظيمية للوزارات والمؤسسات الحُكومية.
لكن ذلك لم يستمر طويلًا، حيث جاءت الحُكومة الحالية وألغت هذا القرار تمامًا، لتُعيد فتح باب الإجازة من دون راتب، بلا أي سقف زمني أو شروط مُعقدة، وكأن لسان حالها يقول: للموظف الحق المُطلق بالاحتفاظ بوظيفته وسلمه الوظيفي، حتى وإن كان بعيدًا عن موقعه الإداري أو خارج الوطن.
أما الملف الثاني، والذي يتمحور حول إحالة الموظف الذي بلغت خدمته ثلاثين عامًا إلى التقاعد، فمن حق المُتابع أن يتساءل «هل هي خطوة إلى الأمام أم تراجع للخلف؟.
وما انطبق على الملف الأول يتكرر ثانية في الملف الثاني، فهذا هو السيناريو نفسه يُعاد مرة جديدة، وإن كان بشكل مُختلف هذه المرة. حُكومة سابقة اتخذت قرارًا بإحالة كُل من بلغت خدمته في القطاع العام ثلاثين عامًا إلى التقاعد التلقائي، وكان تعليلها وقتها ينصب على: ضخ دماء جديدة في شرايين الجهاز الحكومي، توفير فُرص عمل للشباب المُنتظرين في طوابير الانتظار، إتاحة المجال لجيل جديد يواكب التطور الرقمي والتقني.
لكن، كالعادة وكسابقه لم يصمد القرار طويلًا، إذ أقدمت الحُكومة الحالية على إلغائه، ليعود الوضع إلى ما كان عليه، فاتحة المجال لخلط المفاهيم بين الخبرة التراكمية وحالة الترهل الإداري التي تُعاني منها بعض المؤسسات.
وما يدعو إلى الاستغراب والاستهجان، ليس اختلاف الاجتهادات، فهذا الاختلاف أمر طبيعي في سنة الحياة، لكن المؤسف هو تلك التبريرات الصادرة عن الحُكومتين السابقة والحالية، وكأنها عبارة عن ذر للرماد في العيون.
حُكومة تُبرر قراراتها بحماية المؤسسات، وترشيق جهاز القطاع العام، وضبط الإنفاق، وأُخرى تُعلل سياساتها وإجراءاتها بنفس الأسباب تمامًا. ويبقى السؤال الأهم: «كيف لقرارين مُتناقضين أن يُحققا الهدف نفسه؟.
خطورة هذا التضارب لا تكمن في الإرباك الذي يُصيب الموظف العام الذي يصحو كُل يوم على تعليمات جديدة تُلغي ما قبلها، بل تكمن في غياب «السياسة المُمتدة للدولة».. فعملية ترشيق الجهاز الحُكومي وحماية الاقتصاد الوطني لا تتحقق بقرارات أو مشاريع فردية، بل من خلال إستراتيجية عابرة للحُكومات تُبنى على أرقام ودراسات قابلة للتطبيق على أرض الواقع.


