أقلام وآراء

أجفند… الفكرة التي سبقت عصرها وصنعت مدرسة في التنمية

كتب مروان التميمي…

في سجل التاريخ، لا يحتل المكانة الأعلى من امتلك أكبر الموارد، بل من امتلك الفكرة التي سبقت عصرها. فالثروات قد تصنع نفوذا، أما الأفكار فتصنع تحولات. وحين تتحول الفكرة إلى مؤسسة، وتتحول المؤسسة إلى مدرسة، يصبح أثرها أكبر من حدود الزمن والجغرافيا.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة برنامج الخليج العربي للتنمية “أجفند”  فهو لم ينشأ ليكون مؤسسة تضاف إلى سجل المؤسسات التنموية، بل ليقدم مفهوما مختلفا للتنمية، ينطلق من الإنسان قبل المشروع، ومن التمكين قبل المساعدة، ومن بناء القدرات قبل تقديم الحلول المؤقتة.

لم يكن السؤال الذي انطلق منه أجفند: كم نستطيع أن نقدم؟ بل كان: كيف نصنع إنسانا قادرا على أن يصنع مستقبله بنفسه؟ وبين السؤالين يكمن الفرق بين عمل ينتهي بانتهاء المشروع، وفكرة يتسع أثرها مع مرور الزمن.

لقد آمن الأمير الراحل طلال بن عبدالعزيز بأن التنمية ليست عملا خيريا بالمعنى التقليدي، بل مسؤولية حضارية تستثمر في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للأمم. ومن هذه الرؤية، تحول أجفند إلى نموذج عربي رائد رسخ مفاهيم التمكين، وتنمية الطفولة المبكرة، ودعم المرأة، والشمول المالي، وبناء الشراكات، قبل أن تصبح هذه المفاهيم ركائز أساسية في الخطاب التنموي العالمي.

واليوم، يقود صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن طلال بن عبدالعزيز هذه المدرسة التنموية برؤية تجمع بين الوفاء لفلسفة التأسيس، وتطوير أدواتها بما يواكب التحولات العالمية، من خلال تعزيز الشراكات، وترسيخ مبادئ الاستدامة، وقياس الأثر، والابتكار، بما يحافظ على جوهر الرسالة التي قام عليها أجفند: أن الإنسان ليس مستفيدا من التنمية، بل صانعها.

ولذلك، لم تقاس مكانة أجفند بعدد المشروعات التي دعمها، ولا بحجم التمويل الذي قدمه، وإنما بالأثر الذي تركه في حياة الناس. فالمال قد يعالج أزمة، أما بناء الإنسان فيصنع مستقبلا، والفرق بينهما هو الفرق بين الاستجابة للحاجة وصناعة الفرصة.

قد تتغير أدوات التنمية من جيل إلى آخر، لكن جوهرها لا يتغير. فالإنسان كان وسيبقى نقطة البداية، وهو أيضا نقطة الوصول. وكل مشروع لا يوسع دائرة الفرص، ولا يعزز الكرامة، ولا يطلق طاقات الإنسان، يبقى إنجازا مؤقتا مهما بدا كبيرا.

لهذا، فإن أجفند ليس مجرد مؤسسة تنموية ناجحة، بل فكرة عربية أثبتت أن الريادة لا تصنعها وفرة الموارد وحدها، وإنما وضوح الرؤية، واستمرارية الرسالة، والإيمان بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان. وهذا هو الإرث الذي يمنح المؤسسات قيمتها، ويمنح الأفكار قدرتها على البقاء، ويجعل من التنمية مشروعا للحياة، لا برنامجا ينتهي بانتهاء موازنته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى