كلّنا في “القفص”
ابراهيم جابر ابراهيم
لا أتذكّر أين قرأت عبارة شهيرة لفيلسوف معاصر تقول، إن الإنسان حين يوضع في قفص سيتذمر أول الأمر، لكنه سرعان ما يبدأ بعد وقت قليل بابتداع الأفكار لتزويق هذا القفص!
وهذا ما يحدث الآن بابتكار الناس سبلا كثيرة من التسلية، وتصويرها في مئات آلاف الفيديوهات الطافحة بالمرح والسخرية لتبث على مواقع التواصل في العالم!
عشرات اللغات والثقافات كلها تلتقي على الفكرة ذاتها؛ التعايش في، ومع القفص.
بالطبع يختلف الأمر بين “الحَجر الصحي” الذي يحدث لمصلحة الناس وحمايتهم، وبين السجن بمعناه السلبي كعقوبة معروفة على مرّ التاريخ. لكنّ الفكرة هنا في أن ما يغصب عليه الناس، يصير مكروهاً حتى لو كان راودهم كأمنية قبل ذلك؛ فمن مِنّا لم يكن يتخيل أو يتمنّى لو أنه يباشر عمله من البيت حافياً، يجلس بالبيجاما خلف كمبيوتره بيده قهوته وسيجارته، وأمامه صحن طبيخ أو فاكهة، بعيداً عن بحلقة عيون المسؤولين وشؤون الموظفين!
تلك كانت أحلام لا يمكن أن تتحقّق. لكنها الآن واقع مفروض، ويا للمفارقة إذ صارت المتعة التي يتوق لها البعض أن يَعلق في أزمة السير ساعة، أو أن يلتقي في مصعد الشركة بمسؤوله المباشر.
هذه هي السخرية التي تمارسها الحياة تجاه من هم في القفص!
وهؤلاء الذين كانوا يملؤون صفحاتهم بالحديث عن “تربية الأمل” أو نشر مقاطع درويش (نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ، وما يفعل العاطلون عن العمل: نُرَبِّي الأمل)، ها هم يضجرون من البقاء ليومين أو ثلاثة في البيت مع توفر كل أجهزة الطبخ والتكييف والترفيه و.. تربية الأمل والأولاد!
وربما الآن علينا أن نقرأ بشكل مختلف تجربة السجناء والأسرى، بعيداً عن شِعريتها، وأن نحاول تخيل الحياة لمدة عشرين أو ثلاثين عاماً داخل قفص غير قابل للتزويق أساساً، وبلا “واي فاي”!
كيف يقضي السجين ثلاثين عاماً بين أربعة جدران غير ملونة، وبدون كل هذا الرفاه الذي يتمتع به “الحجر الصحي”، وهذه ليست مبالغة، فالكثيرون من الأسرى في سجون الاحتلال محكومون بفترات أكثر من ربع قرن وبعضهم قضى أكثر من ثلاثين عاماً، وما زالوا بعافيتهم العقلية والوطنية.
ربما أنه جدير بالإنسان أن يكون جاهزاً لمفاجآت الحياة وسخريتها، ومن ذلك فقدان الحرية او اعتلالها.
فالحياة ليست بهذا الودّ الذي تبديه في ساعات الصفا، ولا يؤمن جانبها، حتى لو كانت تغمرنا بحنان فائض أحياناً، أو تلاعبنا مثل أم، لكنها في الحقيقة ليست أكثر من تمرين جبّار على القسوة والخذلان.



