أقلام وآراء

“يا جماهير الأرض المحتلة”..!

عين الاردن

علاء الدين أبو زنية ..

قدر الشعوب الخاضعة للاحتلال أن تضحي، وتدفع أثمانًا مستحيلة من أجل الحرية. وهو ليس أفضل الأقدار. لو روى كل فلسطيني قصته منذ النكبة، لكانت كلها منعطفات وطرقًا غير متوقعة بلا خرائط، مليئة بالمجازات الخطِرة، والفخاخ، والكمائن.
كل يوم تقريبًا تطالعنا الأخبار بقصص الشبان الذين تُقص أعمارهم قبل الأوان، والأطفال الذين يكبرون في السجون، والأمهات اللواتي كل أبنائهن أسرى أو شهداء، ويتحدثن عن ذلك وكأنه أكثر الأشياء عادية. وأولئك منهم الذين يولدون ويرحلون في المنفى يعيشون أعمارهم بنفسيات مشروخة وهوية غير مكتملة.
عندما يتحدث الفلسطينيون عن الاشتباك مع العدو، فإنهم ليسوا هواة عنف ولا انتحاريين. إنهم يتعقبون فقط غريزة البقاء. إذا هدد شيء حياتك، فإن العقل يحرك الأعضاء آليًاً للدفاع. بغير ذلك يكون جهازك العصبي مشلولًا بلا رد فعل. عندما يهاجمك أحد بنية: «إما أنا أو أنت»، فإنه لا يضعك أمام أجمل الاحتمالات، ولكن ما العمل؟
إذا استقر المستعمِرون وأمِنوا ولم يجدوا حاجة إلى العنف ضد الفلسطينيين، فمعنى ذلك أن الكائن الفلسطيني أصبح مخدورًا أو مشلولًا وبلا مؤشرات حيوية. سيكون الشعب الفلسطيني قد استسلم وسلّم بنهايته كهوية في العالم. وإذا توتر العدو ولم ينم وهو يقتحم ويعتقل ويطارد –وهو لا ينام كأي سارق وقاتل- فهو المؤشر على أن ثمة شعبًا فلسطينياً قوي الحضوء ويقاوم. أي مفارقة!
إذا تشكلت، كما قد يحدث الآن، خلايا مقاومة مسلحة في الأرض المحتلة، ليست متعصبة فصائليًا وعاكفة على تطوير أدوات لإيقاع خسائر محسوسة بكيان العدو، فسيكون الشعب الفلسطيني قد حقق الانتقالة الضرورية من اللافعل إلى رد الفعل. إنه ليس فعل استفزاز عبثي واستدعاء غير مبرر للخطر. أي فلسطيني هو الآمن حقًا، في الوطن وخارجه؟ إذا كان ثمة ما يخاطر بفقدانه الفلسطينيون تحت الاحتلال، فهو وظيفة في قوات «الأمن» برواتب تتوقف فورًا إذا قصرت القوات في حراسة أمن الاحتلال، أو في «المؤسسات» التي تعرض المظهر غير الواقعي لوجود «دولة» في بلد محتل، أو العمل في بناء المستوطنات أو قطف البرتقال الفلسطيني المسروق.
سوف يعيد الاشتباك مع العدو، والروح الثائرة للشباب الذين ولدوا في مناخات «أوسلو» المحبطة، تلك الآمال الثورية عندما بدأ الكفاح الفلسطيني المسلح المنظم في الستينيات. وبدلًا من العمليات الفردية الانتحارية التي ينفذها الشباب بالطعن والدهس حيث احتمال الشهادة 100 في المائة تقريبًا، سيشتبكون في صراعات حيث احتمال إيقاع ضرر مؤثر في العدو – واحتمال النجاة- أعلى. ومن المؤسف بما يكفي أن من أهم معيقات المقاومة المنظمة المسلحة للاحتلال ستكون «الأمن الفلسطيني» الرسمي الذي بنادقه مع الغريب ضد الذات والابن وابن العم.
مرة أخرى، يجب أن يكون التطور الحاسم في عمل المقاومة هو إيقاع خسائر محسوسة في قوات العدو ومستوطنيه بحيث يدفعون ثمنًا لا يحبونه لدى أي توغل أو اعتداء على الفلسطينيين. ولأن الناس يحبون الالتحاق بمسيرة مظفرة، فإن النجاحات الميدانية المعقولة ستساعد كثيرين على اتخاذ قرارات جديدة وتغيير الاصطفافات، نحو عزل معسكر التسليم ودفعه إلى الانكفاء. بل إن عجز هذا المعسكر عن وقف المقاومة المؤثرة، باعتبار هذه وظيفته، سيجعل مشغليه أنفسهم يحيلونه إلى التقاعد الإجباري.
لا يفتخر فلسطينيو الشتات بأشقائهم المقاومين في الداخل ويحيّون نضالهم بعاطفة الهتاف من الهوامش أو الذي يعدّ العصي. كانت مسألة الوجود الجغرافي ظرفية وليست اختيارية. وكانت حصة البعض الذين هاجر آباؤهم هي المنفى، وحصة الصامدين هي الاشتباك المباشر مع العدو. ولو تسنت للكثير من فلسطينيي الشتات – والعرب، وأنصار الحرية- فرصة الاشتباك لاشتبكوا.
من مفارقات القصة الفلسطينية أن الفصيل الذي قاد الكفاح المسلح أولاً هو نفسه الذي يشتغل فقط بإسقاط البنادق من أيدي المقاومين الفلسطينيين الآن. وهو مضطر إلى إنكار ماضيه الكفاحي وطمس أدبياته ونظرياته وخطابه وكأنها خطايا تستوجب التوبة. وثمة نشيد مجيد لا يمكن أن يسقط من الذاكرة الفلسطينية، للـ»الفرقة المركزية» أيام العزم الذي يعود اليوم:
(…)
ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة
ثورتنا أنطلقت قيدي من دمك الشعلة
يا جماهير، الارض المحتلة
لا إرهاب ولا معتقلات بتضعف عزيمتنا
بدمنا وسلاحنا بتزيد وتقوى ثورتنا
يالله يا جماهير الثورة عالعدو يالله
(…)
حرب التحرير يا جماهيرنا طويلة ومرة
بسم فلسطين ثورتنا ثورة مستمرة
ما بنسالم، لا لا. ولا بنساوم، لا لا
ما بنسالم ولا بنساوم على حبة رملة
ثوري، ثوري.. يا جماهير الأرض المحتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى