من هنا وهناك

إنها حقاً “القوة المطلقة” للمملكة العربية السعودية… صوت الأصالة في مدارات المعاصرة

 

رائد الأعمال المفكر حسن اسميك ..

اطلعت بدقة على مقال “القوة المطلقة” الذي كتبه غرايم وود في “الأتلانتيك” 3 آذار (مارس) 2022، وعلى المقال الذي كتبته كارين عطية ونشرته الواشنطن بوست في 6 آذار تحت عنوان: “تلميع مجلة الأتلانتيك لمحمد بن سلمان إهانة للصحافة”، والمقال الذي سارع وود لكتابته في 7  آذار في “الأتلانتيك” أيضاً، وتحت عنوان مطوّل: “بالطبع يجب على الصحفيين مقابلة المستبدين – أي شخص يخبرك بخلاف ذلك لا يفهم الغرض من الصحافة”.

الإعلام والسياسة.. المأزق الأخلاقي واحتكار الحقيقة
ولست أغالي هنا بالقول، بعدما قرأت كل ما سبق، أن حيزاً كبيراً من عالم السياسة اليوم، وخاصة ما يتم التركيز عليه في الإعلام، هو حيّز من التنافس الذي يغفل أحياناً القيم والمبادئ المهنية الناظمة للعمل الإعلامي، ويسلك الخائضون فيه طرقاً براغماتية وغير واضحة لتحقيق غايات معينة، دون أدنى اهتمام للنتائج السلبية التي قد تترتب على هذا الأمر. ولعمري فإن غياب هذه القيم والمبادئ وتجاهلها أحياناً لا يقتصر على الساسة فحسب، بل وعلى الإعلام الداعم لسياساتهم، والذي قد يضطر مهنيوه لسلك طرق محفوفة بالتضليل والتضحية برسالة الصحافة وغايتها في كشف الحقيقة، مقابل جذب المزيد من القراء والسعي للتأثير عليهم لمآرب خاصة مرتبطة بأجندات مؤسساتهم السياسية أو الإعلامية على حد سواء.

من قراءتي لهذه المقالات الثلاث تأكد لي من جديد أنه ثمة فجوة كبيرة ما زال من الصعب ردمها، بين ما يُنشر أحياناً في وسائل الإعلام الغربية وبين الحقيقة التي تدعي هذه الوسائل البحث عنها وتقديمها. ويا لها من مفارقة أن نظلم الصحافة العربية ونتهمها بالتردي وأنها أداة تعكس التطلعات السياسية للحكام العرب، بينما الصحافة الغربية مصابة أيضاً بلوثة طغيان الموقف السياسي والأجندات الخاصة التي تسيء للحقيقة ولحرية الكلمة في بعض الاحيان.

وفي هذا السياق، أعتقد أن أخطر ما تقوم به الماكينة الإعلامية عندما تتنازل عن مهنيتها، هو محاولة إيهام الآخرين بأنه ثمة حقيقة واحدة فقط، وأنها الوحيدة التي تمتلكها، لتعمل على تكريسها من جهة محددة وبلون واحد، وضمن سردية قيمية وأخلاقية من جهة نظر سارديها، لتستبعد بذلك أي رأي أو منظور مختلف مع وجهة نظرها. بينما واقع الأمر يوضح بجلاء أنه ليس ثمة حقيقة واحدة، وأن كل فرد أو جماعة أو أمة تقوم بتعيين حقائقها ضمن إطار وجودها، وعلى ما ينطوي عليه هذا الوجود من ثقافة وعادات وأعراف ومعتقدات. ولا أعتقد أنه ثمة خيانة للحقيقة أكبر من أن يتجنبها أو يخفيها الآخر أياً كان، فقط لأنها لا تتناسب مع منظومة معاييره واشتراطاته عنها، ثم يغلف هذا الرفض بأحكام متسرعة ومطلقة، ولا يقبل اختلاف الآخرين معه عليها.

لذلك.. ومن دافع إحقاق الحق، يتوجب علي القول إن الحديث الذي أدلى به الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية لصحيفة الأتلانتيك، والذي عليه يدور الجدل الإعلامي القائم في أمريكا اليوم، أهم من أن يُختصر أثره ومضامينه في هذا الجدل الدائر بسببه بين كل من غرايم وود (ممثل الأتلانتيك في الحوار مع ولي العهد) وكارين عطية وآخرين، وأدعو العرب عموماً والشعب السعودي المعني بالأمر خصوصاً، أن يولوا كلام ولي العهد العناية والاهتمام اللذين يستحقهما، وألا يلتفتوا لكل ما تحاول الصحافة الغربية ترويجه بتكريس حالة من الجدل والتنازع في الآراء. وسيبقى الصحيح أن “أهل مكة أدرى بشعابها”، وأن السعوديين والعرب مدركون تماماً لأهمية ما جاء في كلام ولي العهد من أفكار وتوضيحات واستراتيجيات. أما أهداف الإعلام الغربي من تناولها فلا تخدم سوى مصالح الداخل لدى الغرب، مثله في ذلك مثل أغلب سياساتهم الخارجية.

ومع أني لست أنكر أهمية منظومة القيم الديموقراطية والليبرالية الغربية، ولا أتحرج من التعبير عن الإعجاب بها في ما أكتبه، وعن تثمين نجاحها في بناء الدول والمجتمعات لديهم، إلا أنني متمسك أيضاً بموقف نقدي رافض لأحكام الغربيين ومعاييرهم في التعاطي معنا، عرباً ومسلمين، من خارج هذه المنظومة، وخاصة في إصرارهم على أن ما يصلح لهم يصلح لغيرهم، وأن ما لا يتفق مع أهوائهم لا يستحق اهتمامهم واعترافهم. وسأبين في ما يأتي، وبتفصيل وتوضيح مركزين، ما اعتبره المنظور الغربي ديكتاتورية واستبداداً من كلام ولي العهد.

حديث بأهمية الحرب!
بداية.. ورغم الاستقطاب الشديد الذي شدّ انتباه العالم وتركيزه على ما تشهده الساحة السياسية اليوم نتيجة الحرب الدائرة في قلب أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، والتي جعلت كل ما عداها من الأحداث والأخبار مجرد هوامش وتفاصيل غير مهمة، فإن حديث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لصحيفة أتلانتيك الأمريكية (نشرت وكالة الأنباء السعودية النسخة العربية منه وسيُنشر النص الأصلي مطلع أبريل/ نيسان القادم) استطاع أن يستقطب إليه انتباه المتابعين والمحللين، والسياسيين أيضاً، لما اشتمل عليه من نقاط تطرق لها الأمير الشاب، وتصريحات ستمثل بوصلة مهمة للشأن الداخلي السعودي، ولعلاقات الرياض الإقليمية والدولية على صُعُد متعددة: التغيير الداخلي، والسياسية الخارجية، والأبعاد الاقتصادية والأمنية في المنطقة. جاء الحديث كما – يبدو – حواراً مفتوحاً لم يُطلع فيه المُحاور (غرايم وود) مستضيفه على الأسئلة مسبقاً، ولم يكن لدى الأمير أية نقاط محددة تم الإعداد لها من قبل، كانت بعض الأسئلة واضحة، بل ومستفزة أحياناً، وبعضها الآخر غامض وغير متوقع، بالإضافة لمجموعة أخرى من الأسئلة التي فرضتها شجون الحديث وتشعباته أو التي استنتجها صحفي الأتلانتيك، من الحديث مع الأمير أو أراد إقحامه فيها.

أمام هذا التنوع في الأسئلة ومستوياتها وأهدافها والتفاصيل الدقيقة التي تبحث عنها، وأمام الصراحة والشفافية، إضافة للأريحية، التي أبداها ولي العهد السعودي، برزت أهمية الموضوعات التي تضمنها الحوار بنفس أهمية طريقة تناولها، فكان على رأس هذه الموضوعات: الإصلاح في السعودية بمستوياته المتعددة، مكافحة الفساد، والتطوير الاجتماعي، والإصلاح الديني والعودة للإسلام السمح؛ بالإضافة إلى الاقتصاد السعودي الجديد وهويته المحلية؛ علاقات السعودية الدولية مع الدول والقوى إقليماً وعالمياً؛ وبالطبع احتل مشروع “رؤية 2030” حصة وازنة من حديث الأمير، بعدما أصبحت هذه الرؤية بمثابة وثيقة العقد الاجتماعي الجديد الذي يتطلع السعوديون من خلاله إلى المستقبل الذي يطمحون إلى بناء قواعده على أسس الأصالة والقيم الوطنية، ثم الارتقاء منها إلى قلب الحداثة والمعاصرة. لذلك بدا الأمير حاسماً وواضحاً في التأكيد على أن مشروع “رؤية 2030” “لن يفشل أبداً، ولا يوجد شخص على هذا الكوكب يمتلك القوة لإفشاله”.

في ربيع عام 2016 أعلن الأمير الشاب عن إطلاق هذا المشروع الضخم، الهادف قبل كل شيء إلى تخفيض اعتماد المملكة على النفط، والذي يشترط بداية تنويع مصادر الاقتصاد السعودي بإضافة قطاعات فاعلة ومنتجة إليه، ليس آخرها بناء السياحة والترفيه، وتأسيس المدن “المستقبلية” الذكية. ولقد واجه هذا المشروع، منذ أن طُرح للمرة الأولى، الكثير من الجدل، والكثير من التشكيك المدفوع أحياناً بسوء النيّة! أو ربما بسوء التقدير عندما ظنّه البعض خيالياً وغير قابل للتحقق في ظلِّ واقع المملكة وإرثها التاريخي المعقّد والكبير، دون أن يدركوا أن هذا الواقع نفسه هو ما يمنح السعودية مجموعة ثرّة ومميزة من نقاط القوة التي لا تتوفر لغيرها من الدول، إذ تمثل هذه النقاط بالتحديد مصادر الفلسفة التي استندت إليها “رؤية 2030” وانطلقت منها، والتي يأتي على رأسها الموقع الاستراتيجي للمملكة، وعمقها العربي ومكانتها الدينية العالمية، والغنى الاجتماعي والثقافي، وبالطبع القوة الاقتصادية.. وغيرها. ولقد أوجزت “الرؤية” هذه النقاط بثلاث ركائز هي: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

بالنسبة للرجل الثاني في المملكة، ولشاب في مجتمع تبلغ نسبة مواطنيه ممن لم يتجاوزوا الأربعين عاماً قرابة 70%، كان لا بد أن تتسم الرؤية التي تبناها، كخطة إصلاحية وتنموية، للدولة العربية الأكبر آسيوياً، بالشمولية التي باتت الشرط اللازم والضروري لإدارة الدولة الحديثة، فدولة اليوم ليست مجرد سلطة أو قوة محضة أو وفرة في الثروات والإنتاج، بل هي كل هذه العناصر مجتمعة ومترابطة بين بعضها البعض في الفضاءات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يحقق فيها المواطنون إرادتهم العامة التي يكفلها ويصونها لهم وجود الدولة.

الاقتصاد في رؤية 2030
يمثل النمو الاقتصادي المنافس هدفاً محورياً ضامناً لمشروعية الأهداف الأخرى وتحققها، لذلك كان الهدف المركزي لـ “رؤية 2030” تغيير البنية الكلاسيكية للاقتصاد السعودي، عبر السعي بخطوات حثيثة نحو تقليص نسبة الصادرات السعودية من النفط إلى 50%، والتي لن تتحقق إلا برفع حجم الصادرات غير النفطية إلى النسبة ذاتها. وتدرك القيادة السعودية اليوم أن الآثار المترتبة على تحقيق هذا الأمر لا تقف عند حدود إنماء الناتج المحلي فحسب، بل سينعكس بشكل واضح على تقليص نسبة البطالة، ورفع ترتيب المملكة في مؤشر الخدمات اللوجستية من المركز 49 إلى 25 عالمياً، والأول إقليمياً. كما سيسهم ذلك أيضاً -حسب ما تعد به الرؤية- بإحداث نقلة نوعية في طريقة إدارة الدولة للاحتياطات الأجنبية وتوظيفها في زيادة العوائد منها. وفي الحقيقة فإن من يعرف الاقتصاد السعودي عن قرب يدرك تماماً أن تقليص اعتمادية المملكة على النفط إلى النسبة الواردة أعلاه سيمثل ثورة تجديد وتغيير اقتصادي طال انتظارها والحديث عنها خلال العقود الثلاثة الماضية.

هدفت “رؤية 2030” من الناحية الاقتصادية أيضاً إلى توسيع الوصول إلى الرهون العقارية بالتزامن مع تطوير قطاع خدمات مالية يسهل الوصول إليه والاستفادة منه، وذلك عبر تشجيع المواطنين على الاستثمار داخلياً، وزيادة عدد الشركات المدرجة في البورصة المحلية. وكما كان متوقعا، لم يضيّع السعوديون هذه الفرصة، فقد باعت بنوك المملكة رقماً قياسياً من الرهون العقارية الجديدة بلغ 46.7 مليار ريال في الربع الأول من 2021، وتتوقع وكالة التصنيف الائتماني الأمريكية S&P Global Ratings أن يرتفع سوق الرهن العقاري السعودي بنسبة 30% سنوياً خلال العامين المقبلين.

في جانب آخر، واستكمالاً لهذه الاستراتيجيات الاقتصادية الجديدة، كان لا بد من الشروع في تحويل مفهوم الدولة من كونها الراعية والمتدخلة اقتصادياً إلى تثبيت دورها كحارسة وضابطة، والذي يستوجب مستقبلاً تقليص القطاعات العامة المعنية بالشق الخدمي، ومن المتوقع أن يبدأ هذا التقليص من قطاع الطاقة، عبر خصخصة شركة الكهرباء الوطنية السعودية، والتوجه نحو توليد ما لا يقل عن 30% من إمدادات الطاقة المحلية للبلاد من الطاقة الشمسية والمتجددة. تحولٌ إذا ما تم سيرفع عدد منتجي الطاقة المستقلين وسيخلق سوقاً أكثر تنافسية لأنواع مختلفة من الطاقة المتجددة. ورغم أن هذه النقلة، بحسب ما تشير إليه تقارير ودراسات صحفية، ستكون مؤلمة في البداية للسعوديين الذين اعتادوا على أسعار الطاقة المنخفضة، إلا أنها ستساعد على تحقيق هدف 2060 من الانبعاثات الصافية الصفرية.

الحوكمة والتطوير الإداري

في عموم حديثه لصحيفة الأتلانتيك، يتنبه القارئ للأهمية التي يوليها ولي العهد للتطوير والإصلاح الإداري، خاصة في ظل التغير النوعي، الواثق والمتأني، الذي يقوده في البلاد. ومع أن الأمير لم يتناول هذا الموضوع بشكل مخصص ومستقل، بل كانت الإشارة إليه حاضرة في مناقشة عدة مواضيع، فإن ذلك يعكس انطلاق مشروع ولي العهد في الإصلاح الإداري وتطوير آليات الحوكمة من أهمية تحقق هذا الشرط لضمان تحقيق المستويات المنشودة من النمو الاقتصادي، إذ إن مكافحة الفساد وتطوير القوانين وتبسيط الإجراءات وتوفير الضمانات القانونية والحقوقية عناصر بات لا يمكن تجاهلها لإعداد بيئة اقتصادية جاذبة للمستثمرين، خاصة في عصرنا الحالي، حيث لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي ريادي إلا بمشاركة الاستثمارات الأجنبية وتوطين أصولها محلياً.

لذلك تتوجه اهتمامات الأمير نحو تعزيز الكفاءة داخل الحكومة، وتحديث أدوات الإدارة العامة، عبر عملية إصلاح هيكلية شاملة. وإذ يدرك الأمير صعوبة الإسراع في تحقيق هذه الأهداف، خاصة في ظل البنى التقليدية التي سيطرت على العمل الإداري للدولة خلال عقود، إلا أن رضاه واطمئنانه لما تم تحقيقه حتى الآن يبدو مؤشراً على إمكانية الوصول للمستوى المطلوب في هذا الشأن، وبوقت قياسي نسبياً. ولم يفت الأمير أن يشيد بجهود موظفي المملكة ومسؤوليها، ويثمّن حماسهم وقيادتهم لهذا التغيير، كل في موقعه وبناء على مسؤولياته.

السياحة والترفيه.. فهم أعمق للتنمية الشاملة
خلال الخمسة أعوام الماضية، ركّزت بعض النظرات المبتسرة والمنقوصة لجهود المملكة في مجالي الترفيه والسياحة الداخلية على إعلان الدهشة أحياناً، والاستنكار المتصنع أحياناً أخرى، بناء على أحكام مسبقة أو صورة نمطية “ستريوتايب” عن السعودية باعتبارها، في أذهان مروجي هذه النظرة، بعيدة عن الحداثة والمعاصرة، أو على اعتبار أن المكانة الدينية للمملكة تفترض أن يعيش السعوديون جميعاً، وعلى كافة أراضي البلاد الممتدة واسعاً في الاتجاهات الأربعة، نمطاً خاصاً ومنغلقاً من الحياة يقتصر على الزهد والتعبد والعزلة و”بعض التطرف!”. وفي الحقيقة فإني لا أبرّئ نوايا الكثيرين الذين يحاولون تكريس هذه النظرة، ولا أعذرهم لجهلهم في حال ادعوا الجهل بالمجتمع السعودي وأسلوب عيشه وانفتاحه على العالم. أقول هذا الكلام وأنا واثق منه لأني أعرف السعوديين حق المعرفة، إذ عشت بينهم في ما مضى عدة سنوات، ولا تكاد زياراتي تنقطع عن البلاد، إما بقصد العمل أو بهدف السياحة، وفي كل زيارة ألمح مقدار التغير والتطور لدى عموم فئات المجتمع، فالسعوديون ومنذ عقود لم ينقطعوا عن الاتصال بالخارج الأكثر تطوراً في العالم، وعدد كبير من شبانهم وشاباتهم أكمل تعليمه في كبرى الجامعات العالمية، وتحديداً الأمريكية والبريطانية، وهم متقنون للغات الأجنبية، ومطلعون على روح الحضارة الغربية، وقادرون على الخوض في تفاصيلها، وتكوين موقف نقدي -سلباً أو إيجاباً- منها. وهؤلاء الذين يمثلون نسبة كبيرة من المجتمع السعودي يدعمون تطلعات ولي العهد ورؤية 2030، ويثقون بالمستقبل الواعد الذي ينتظر البلاد في ظل تحقيقها.

وفي الحقيقة.. وكما لمست من الحوار مع “الأتلانتيك”، يعرف الأمير هذه الفجوة القائمة التي تصنع التناقض بين طرفين: الصورة المسبقة والنمطية عن المجتمع السعودي، وواقعه الحيوي والعصري، والذي يُعتبر ركيزة أساسية من ركائز “رؤية 2030”. كما يدرك الأمير أن جزءاً من أسباب حدوث هذه الفجوة يعود لظروف واعتبارات رافقت تأسيس الدولة السعودية الثالثة، والتي ارتبطت “عصبية تأسيسها” (وأستعير هذا المصطلح من ابن خلدون ومقدمته الشهيرة) بالتحالف الذي عقده الملك المؤسس مع التيار الديني الإصلاحي في عصره، ثم استمر تقليداً طيلة عقود حكم الأبناء، “ربما يكون هذا الوضع قد استمر لفترة أطول مما ينبغي، ولكن يجب إعادة إصلاحه”، هكذا يفكر الأمير الشاب في ظل تغير الزمان بعد مرور قرن وعقدين على نجاح جده الملك عبد العزيز رحمه الله في استعادة الرياض وإطلاق مشروع الدولة السعودية الثالثة سنة 1902.

من ناحية ثانية، لا يغيب عن فكر ولي العهد أن جوهر 2030 اقتصادي بحت، وأن في السعودية منبعاً آخر إلى جانب البترول ينبغي الالتفات إليه كمصدر أكثر استدامة للدخل القومي. هذا المصدر هو السياحة التي أُهملت طويلاً في بلد قادر أن يجتذب إليه ملايين السياح سنوياً، بما يمتلكه من مواقع أثرية وطبيعة فريدة وشواطئ مثالية ومناخ معتدل في الفترات التي يضرب فيها الصقيع النصف الشمالي من الكرة الأرضية. إذن ثمة عنصر واحد باق كي تتمكن المملكة من استثمار هذا المصدر، أقصد إعداد البنية التحتية من مدن ومرافق سياحية، ثم تقديم التسهيلات الإدارية المطلوبة لمعاملات السفر وتعليمات الإقامة السياحية وتحديث قوانينها. ولا يخفى على أحد اليوم طموح قيادة المملكة في هذا المجال، وعملها على مضاعفة تسجيل المواقع الأثرية في منظمة اليونيسكو، وسعيها لإنشاء متحف إسلامي سيكون الأكبر على مستوى العالم.

أما في الحديث عن هيئة الترفيه، فلا يولي ولي العهد أي اهتمام لكل الآراء التي تتصنع الدهشة والاستنكار، ومع أنه يدرك دوافع من يقف وراءها، إلا أن الجانب الاقتصادي هو ما يركز عليه في هذا الشأن، خاصة وأنه مطلع على الإحصاءات التي ترصد ما يدفعه السعوديون في الخارج لأغراض السياحة والترفيه كل عام، ويؤمن تماماً بأحقية السعودية في المبالغ التي ينفقها مواطنوها، والتي تعادل ميزانيات دول قائمة، وتتجاوزها أحياناً (بلغت حوالي 30 مليار دولار). لذلك.. استحق الأمر في نظر ولي العهد أن يأتي العالم ليشاهده السعوديون بدل أن يسافروا كل عام لمشاهدته.

ثورة اجتماعية مبصرة
على عكس الثورات الاجتماعية التي عادة ما تكون عمياء وجامحة، والتي تركز على تدمير ما لا تريده ولكنها تجهل ما تريده، يقود ولي العهد البلاد لتغيير اجتماعي كبير، مدعوم برؤية واضحة عما يريده السعوديون ويسعون إليه، دون أن يدمروا أياً من اللبنات الاجتماعية السابقة، بل ينبغي البناء عليها لتبقى حاضرة في هوية وطنية متجددة، تجمع في نواتها طرفي الأصالة والمعاصرة. لذلك تعددت تأكيدات الأمير الشاب على أن التغيير الذي ينشده السعوديون إنما ينشدونه لأجلهم هم، وليكونوا راضين عن أنفسهم ودورهم الحضاري، لا لكي يُرضوا مراقباً خارجياً، أو يوافقوا معياراً يعتمده غيرهم. ولذلك يشدد ولي العهد على أن التغيرات الاجتماعية ستبقى أمينة لثقافة البلاد، والتي تستمد حيويتها وقيمها من جذورها الثلاث: الإسلام والأعراف القبلية والحضارة العربية. مقابل هذا.. يستنكر الأمير أي ضغط خارجي على السعودية باتجاه التغيير، ويلفت انتباه ضيفه صراحة: “في الحقيقة، إذا حاولت الضغط علينا بخصوص شيء نؤمن به بالفعل، فأنت فقط تصعب علينا تنفيذه”.

ويأتي في هذا السياق تطوير قانون الأحوال الشخصية، حديث الساعة لدى السعوديين اليوم، والذي وافق مجلس الوزراء على إقراره بتاريخ 8 آذار (مارس) 2022، هذا القانون الذي كشف ولي العهد عن أهميته في الحفاظ على الأسرة باعتبارها المكوّن الأساسي للمجتمع، والتزامه بشرعة حقوق الإنسان وقيمها، بالإضافة إلى تأكيد هيئة أعضاء كبار العلماء على أن نظام الأحوال الشخصية الجديدة “مستنبط من الكتاب والسنة، ومبني على أسس وثيقة، ومبادئ سامية، وتشريعات منظمة، جاءت لتؤكد عمق القانون في المملكو وقوته وحجيته، وحصانة إجراءات التقاضي بما يحقق الأمان المجتمعي والاستقرار الأسري”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى