أقلام وآراء

الأردن أكبر من أساطير نتنياهو

 

محمود الخطاطبة

لم تكن مُجرد كلمات اعتاد مُجرم الحرب قولها، لخطب ود اليمين المُتطرف، فحين أعلن رئيس وزراء الكيان المسخ، بنيامين نتنياهو، تمسكه بـما يُسمى بـ»إسرائيل الكُبرى»، المُمتدة من النيل إلى الفرات، كان يرسم على الهواء حدودًا تتجاوز الواقع والاعتراف الدولي، وتقترب من قلب الأردن.. فهل يكفي التنديد الدبلوماسي، أم أن لحظة الرد الفعلي قد حانت.

كبير المُتصلفين الصهيونيين، وصف مشروعه بأنه «مُهمة أجيال»، مُستخدمًا مُصطلحات دينية، تُبرر التوسع على حساب أراضٍ خارج الحدود المُعترف بها دوليًا، بما في ذلك الأردن ولبنان وسورية ومصر، غير أن دلالات التوقيت مُثيرة للقلق، فهي تعني ببساطة إسقاط أي التزام بحل الدولتين، وإحياء مشاريع استعمارية، وسط صمت دولي شبه كامل، واختبار صريح لردود الفعل العربية، خصوصًا من الأردن، الذي يُمثل حجر الزاوية في أي تسوية إقليمية.

وكُلنا يعرف أنه في أساطير الحركة الصهيونية القديمة، لم تتوقف حدود «إسرائيل الكُبرى» عند الضفة الغربية، بل امتدت لتشمل الأغوار الأردنية، بل وأسماء مُدن أردنية، وكأنها فراغ جغرافي ينتظر من يملؤه.
وتاريخيًا، مشاريع مثل «المملكة الأردنية الفلسطينية» في ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن سوى مُحاولة لابتلاع الهوية الوطنية، وتحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين، تمهيدًا لضم أراضيه.. أما جغرافيًا، الأردن هو خط الدفاع الأول عن القدس والمُقدسات الإسلامية، وهذا وحده كافٍ لجعله هدفًا إستراتيجيًا في العقلية التوسعية الإسرائيلية.
ولعلي أُذكر نفسي والقراء بأبرز محطات التهديدات التوسعية الإسرائيلية تجاه المملكة بدءًا من العام 1919، كأفكار مُبكرة في مؤتمر باريس للسلام حول امتداد «الدولة اليهودية» لتشمل شرق الأردن، ومن ثم العام 1948 كنقاشات إسرائيلية غير رسمية حول ضم الضفة الشرقية بعد النكبة، والعام 1980 طرح خبيث لمشروع «المملكة الأردنية الفلسطينية» للترويج لفكرة الوطن البديل، وفي العام 2019 مسؤولون إسرائيليون يصفون الأغوار الأردنية بأنها «جزء من الأمن القومي الإسرائيلي»، واليوم يُكررها مجرم الحرب (نتنياهو) علنًا بأن «إسرائيل الكُبرى» تمتد من النيل إلى الفرات، مُتضمنة أجزاء من الأردن.
في الشارع الأردني، تتزايد القناعة بأن التنديد وحده لم يعد كافيًا، فالناس تُريد أفعالًا توازي حجم التهديد، لا بيانات غاضبة وانفعال مفتعل، الخطوة الأولى تبدأ من الداخل، حيث يتعين تفعيل قانون المُقاطعة الشاملة للبضائع الإسرائيلية بصرامة، مع مُحاسبة كُل من يُحاول الالتفاف عليه، وفي المُقابل، يُمكن تحويل دعم المُنتج الوطني إلى سلاح اقتصادي طويل الأمد، يُعزز الاستقلالية ويحد من أي تبعية اقتصادية للاحتلال الإسرائيلي.
لكن الأمن والسيادة لا يقلان أهمية عن الاقتصاد، لذا يتوجب مُراجعة مُعاهدة وادي عربة، والاتفاقيات المُشابهة، فقد باتت مطلبًا مُلحًا، خصوصًا تلك التي تضع قيودًا على القرار الأردني المُستقل.
أما على مُستوى السياسة الخارجية، فإن الدبلوماسية الهجومية تبدو خيارًا لا مفر منه، ومنها على سبيل المثال تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن ضد التصريحات التوسعية، على الرُغم من أنه قد لا يوقف الاحتلال، لكنه يضعه في مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي.. وفي الوقت نفسه، يبقى حشد موقف عربي وإسلامي موحد عبر المُنظمات الإقليمية، أداة ضغط لا يُمكن الاستهانة بها.
الخيارات أمام عمان ليست مُتساوية في أثرها، فالسيناريو الضعيف يتمثل في الاكتفاء ببيان مُقتضب، يضيع في أرشيف الأخبار، ويترك انطباعًا بأن الأردن يقبل البقاء على الهامش.. في المُقابل، السيناريو الحازم يتطلب تجميد العلاقات الدبلوماسية مع الاحتلال، ودعم القيادة الفلسطينية سياسيًا وماليًا، والانخراط في تحالفات إقليمية، تفرض مُعادلة ردع حقيقية على الأرض.
الأردن ليس فراغًا على الخريطة، وليس ورقة يُمكن للمُحتل أن يطويها ويضعها في جيبه، هُنا شعب عمره آلاف السنين، ويعرف قيمة ترابه، ويحمل في ذاكرته التضحية والفداء، والوقت ليس في صالحنا، فالتردد اليوم قد يعني خسارة الغد.. وأقول إما أن نرسم حدودنا بيدنا، أو يرسمها الآخرون على مقاس أساطيرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى