رائد الاعمال المفكر حسن اسميك …
فالمعنى الدلالي إذن هو ما يجعل من لفظ أو كلمة ما “مصطلحاً”. ويقال في العربية إنه “ينبغي لمن يتكلم في علم أو فن أن يورد الألفاظ المتعارفة فيه مستعملاً معانيها المعروفة عند أربابها، ومخالف ذلك إما جاهلٌ بمقتضى المقام، أو قاصدٌ الإبهام أو الإيهام”.
لا تقلل العربية إذن من أهمية المصطلحات، بل تنصفها وتظهر دورها وضرورتها، هذا في النظرية، لكن ما حال التطبيق؟ وهل تمتلك لغتنا ما يكفي من المصطلحات لتناسب الحداثة والعصر الذي نعيش فيه، وإذا بتنا نتكئُ على استخدام المصطلحات الأجنبية في العلوم والمجالات التقنية وحتى بعض الفنون، فهل هذا ممكن في السياسة، والسؤال الأهم: هل هو مجدٍ في زمن بات من اللازم فيه على الخطاب السياسي العربي أن يواجه جملة من التحديات الإقليمية والعالمية ليضمن حداً أدنى من المكانة والتأثير لدولنا العربية في المشهد السياسي العام؟
ليست “أزمة المصطلحات” في اللغة العربية خافية على أحد، لكن الاعتراف بها في مجال العلوم التطبيقية مثلاً أعلى بكثير منه في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي مقدمها السياسة، والتي بدل أن تشهد عملية تطوير وعصرنة، وإنتاجاً لمصطلحات جديدة وحداثية، لا تزال تعيش حالة من النكوص تتجلى في العودة إلى مصطلحات قديمة، أوجدتها بواكير الثقافة العربية الإسلامية الأولى بهذا الشأن، أي يتجاوز عمرها ألف عام ونيف، وإذا كانت في ذلك الزمن تعتبر مبتكرة وإبداعية تكسر النمط السائد لتؤسس مكانه نظاماً اجتماعياً فكرياً سياسياً جديداً، إلا أنهى اليوم باتت عاجزة عن تأدية ولو جزء من هذا الغرض، بل صارت تؤثر عكسياً بمجتمعاتنا وتعود بها إلى زمن ما قبل الحداثة، وتقف حائلاً بينها وبين مكاسب كبيرة في السياسة، خاصة وأننا نعيش اليوم ما يمكن تسميته “حرب مصطلحات” على حد تعبير الصحافي الإنكليزي المخضرم روبرت فيسك.
أبسط مثال يمكن إيراده في هذا السياق، هو الجدل المستمر حول مصطلحي “الشورى” و”الديمقراطية”، الذي تجاوز البعد الإجرائي لكلا المصطلحين –المتقارب بعض الشيء– ليعبر عن دلالات أخرى أبعد وأكبر، فهو جدل بين الديني والعلماني، بين العربي والأعجمي، بين الشرق والغرب، بين الإسلام والأديان الأخرى، بين حكم الشرع وحكم الشعب… وبالطبع “الشورى” ليست “الديموقراطية” على الإطلاق، كما يحاول الكثير من “المصلحين” الادعاء لرأب الصدع بين أنصار هذه وتلك، ومن يدعي ذلك كمن يختبئ وراء إصبعه، فالأولى تختلف كثيراً عن الثانية، مثلما تختلف “الرعية” عن “الشعب”، و”ولي الأمر أو السلطان” عن “الرئيس أو الحاكم”، ومحاولة نبش كلمات من الذاكرة اللغوية لتناسب مفاهيم عصرية هي تصرفات سلبية، وغياب هذه المفاهيم العصرية عن اللغة العربية لا يقلل من قيمتها ولا من مكانتها، بل على العكس، يظهرها ضعيفة وغير مرنة وغير قادرة على مواكبة العصر.
والأسوأ من هذا وذاك أن رفض البعض للمصطلحات الحديثة، لا يقتصر على الجانب اللغوي فقط، بل هو رفض لقيم الدولة الحديثة، وأهمها الديموقراطية والمواطنة والتعددية، والتي باتت قيماً كونية يؤمن بها الجميع ويحاولون تمثلها وتبنيها، ولا أراها تتعارض أبداً مع روح الإسلام ولا مع مبادئه، فلماذا هذا الموقف الأصولي المتشدد منها، ولماذا نعمل بأيدينا على عزل أنفسنا عن العالم، ونرفض أن نواكب تطوره وحداثة فكره، فنخرج عن الإجماع الدولي حول منظومة المصطلحات العامة المستخدمة من قبل الجميع في التفاعل على الصعيد العالمي؟
وفي النهاية لا بد من القول، إن دعوتي هذه للتجديد لا تقلل من أهمية التراث السياسي للإسلام والمسلمين، بل أتمنى لو نغرف منه كل ما يتناسب مع زمننا وعصرنا، وأن نستفيد من نتاج الحضارات الأخرى في الوقت ذاته، ولا نتعصب للغتنا، فهي وإن كانت لغة المقدس (أي القرآن الكريم) إلا أنه ينبغي أن لا نحملها بذاتها، من حيث كونها لغتنا كبشر، صفة القداسة، بل ولنركز عليها من هي آداة أو وسيلة للتواصل مع الأمم والشعوب، وبالتالي يجب ان تكون كائناً حياً متطوراً، قادرة على استيعاب كل جديد في عالم المعرفة، بحيث تساير سيرورة التقدم العلمي والتكنولوجي المعاصر، وهذا أمر في غاية الأهمية، وهنا تكمن المرونة والقدرة على التطور.. هذا التطور لن يأتي إذا ما بقينا عالقين في الذاكرة الإصلاحية الفقهية، نحاول أن نُلبس المستقبل ثوب الماضي. يقول جورج أورويل في مقاله الشهير “السياسة واللغة الإنكليزية” إنَّ “تدهور اللغة يجب أن يكون له في النهاية أسباب سياسية واقتصادية، ولا يرجع لتأثير هذا الكاتب السيئ أو ذاك، لكن يمكن أن تصبح النتيجة سبباً، وتعزز بدورها السبب الأصلي، ليُعاد إنتاجها بشكل مكثف، وهكذا إلى أجل غير مسمى”. وفي حالتنا العربية الراهنة، قد يكون تراجع قدرتنا على إنتاج المصطلحات، ومحاولة تطبيق القديم على الحديث، ناجمة عن جملة من الأسباب السياسة والاقتصادية والثقافية، لكن هذا الارتكاس قد يصبح بحد ذاته مغذياً لتلك الأسباب ومعززاً لها، هذا ما يجب التنبه إليه قبل فوات الأوان.


